|
ردّ على من غلط في عصمة الأولياء الفخام ادَّعى بعض أهل السنة وغيرهم:" أنه لا دليل على عصمة الأولياء، بل هي خاصة بالأنبياء؛ وما ورد من كون الدنيا دار بلاء .. الخ دليل على ذلك "اهـ! قال شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله: الأدلة عليها كثيرة .. فأختصرها هنا بطريقين لإثبات مخالفة [ المُدَّعي ]: الطريق الأوّل: أن سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قال: { ما بعثَ اللهُ من نبيٍّ ولا استخلفَ مِن خليفةٍ إلا كانت له بِطانتان: بِطانةٌ تأمرُهُ بالمعروفِ وتحُضُّه عليه، وبِطانةٌ تأمره بالشّرِّ وتحضُّه عليه، فالمَعْصُومُ من عَصَمَ اللهُ تعالى }[البخاري]؛ وفيه: تصريحٌ بثبوت العِصمة للأنبياء الكِرام عليهم السلام والأولياء الفِخَام رضي الله تعالى عنهم. فائدة: كما دلَّ هذا الخبر الصحيح على أشياءَ زيادة على إثبات العِصمة، منها: الدليل على أن العصمة إنما تكون لأخصِّ الأولياء الفخام رضي الله تعالى عنهم؛ لأن اسم الخلافة لا يصحّ على التحقيق إلا لهم. الدليل على ما يصرّح به السادة الصّوفية رضي الله تعالى عنهم من الإرث المحمديّ والخلافة. الطريق الثاني: أن الناظر في خطاب الله تعالى السّمْعيّ عن الولاية، يرى أنها تحصل للفعل في البداية وللفاعل في النهاية، واختلافَها بينهما لأجل غاية: أما حصولها للفعل ( وهو الأعمال الشرعيّة ): فيترتب عليه عون العبد على اجتناب الشَّرِّ؛ كما قال الله تعالى: { وأقم الصلاة؛ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمُنْكر }[العنكبوت:45] وهي أنواع الشَّرِّ. ومعنى حصولها للفعل: تعلقها به، فحيث قام به العبد حصلت له الولاية، وحيث فارقه فارقته؛ كما يقتضي مفهومُ المخالفة للنص المتقدّم وما في معناه نحو خبر: { احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك }[الترمذي والحاكم]، وقولُ الله تعالى: { ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير }[البقرة:120] { ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واقٍ }[الرعد:37]. وأما حصولها للفاعل ( وهو القائم بالأعمال الشرعيَّة ): فيترتب عليه حفظ العبد من الشَّرِّ، أي: عصمته عن ارتكابه؛ كما قال الله تعالى: { ألا إن أولياء الله } الأخَصّ على التحقيق { لا خوف عليهم } من عذابٍ بسبب شرٍّ { ولا هُم يحزنون } على حِرمانٍ بسبب شرٍّ، أي: فهم معصومون عن الشرِّ فلا يقعون فيه؛ لأنه سبب الخوف والحزن، وهم: { الذين آمنوا } بالله تعالى والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وما أنزل إليه فنالوا كرامتهم حظاً { وكانوا يتقون } الله تعالى فيجاهدون فيه النفوسَ على التحقيق ابتغاء وجهه { لهم البشرى } بمحبَّة الله تعالى لهم؛ كما في الخبر الصحيح:" إن الله تعالى أمرني بحبّ أربعة وأخبرني أنه يحبّهم: عليّ منهم "[الترمذي وابن ماجة والحاكم] { في الحياة الدنيا } من جهة إعلامهم بولايتهم، وإكرامهم بالمعرفة الكاملة خلافاً لمن هم دونهم، وهو قولهم:" قد تَتَّفِقُ لِمَن تَجَرَّد في هذه الدَّار عَن حُبِّ المَحْسُوْسَات وَعَلائقِهَا هَذه المَعْرِفَةُ الكَامِلَةُ "اهـ؛ لذلك قال " في الحياة الدنيا " ولم يقل في " الدنيا ": لأن الدنيا من حيث هي محل سفلي لا تحتمل الحقائق العلويَّة، ومن ثمَّ لما سأل سيدنا موسى عليه السلام رؤيةَ الله تعالى في دار الدنيا قال له ( لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرَّ مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربّه للجبل جعله دكاً )[الأعراف:143]، بينما لما ألحقَ سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأعلى مكّنَه من رؤيته { وفي الآخرة } من جهة منازلة منزلتهم في الجنَّة، وإكرامهم بزيادة معرفتهم الكاملة كشفاً ووضوحاً، ولهذا قال بَعْضُ العَارِفِين:" لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ إلا يَقِيْناً "اهـ؛ قال بعض الكبراء:" ليس بينَ إدْرَاك الحَقائِق في الدُّنيَا وفي الآخِرَة فَرْقٌ، بَلْ هَذَا هُوَ عَينُ هَذا إلا بِزيَادَةِ كَشْفٍ ووُضُوْح؛ كمَا بَينَ تَصَوّر ذَات الشَّيءِ في الخَيَال وَبينَ رُؤْيَتِهِ بالبَصَر. وكمَا أنَّا إذا قَدَّرنَا إنْسَاناً وُلِدَ أعْمَى إلا أنّهُ تَامُّ الفِطْرَة جَيِّدُ الحِسِّ، وقَدْ وُصِفَتْ لَهُ مَدِيْنَتُهُ التي نَشَأ فِيْهَا وَصْفاً كَامِلاً شَافِياً وتَوَاتَرَ وَصْفُهَا لَهُ عِنْدَهُ حَتى كأنَّهُ يُشَاهِدُهَا وَحَتى صَارَ يَصِفَهَا لِغَيرِهِ مِنَ العمْيَان ويَتَصَرّفَ في سَائِر نَوَاحِيْهَا وَطُرُقِهَا بِلا قَائِد، فَإنَّ هَذَا إذَا رُزِقَ البَصَرَ دَفعْةً واحِدَةً، وَشَاهَدَ تلْكَ المَدِيْنَةَ، رَآها على وِفْقِ ما كَانَ مُنْطَبِعاً في خَيَالِهِ مِنْهَا قَبْلَ مُشَاهَدَتَهِا، إلا أنَّ الرّؤْيةَ أكثرُ وُضُوْحاً وَأكثرُ جَلاءً. وكذلك رُؤْيةُ الشَّيءِ في غَيْمٍ رَقِيْقٍ لا يَمْنَعُ الرُّؤْيةَ عَلى وَجْهٍ ما ثمّ رُؤْيتهُ بَعْدُ عندَ انقِشَاعِ ذَلِكَ الغَيْم. ولذَلك نجِدُ كثِيراً من الناس: يَعْشَقُ الصُّوْرَةَ الحِسِّيَّةَ الإنسَانِيَّةَ بالسَّمَاعِ حتى يَهِيْمَ بها ثُمَّ يَهْوَاهَا بَعْدَ ذَلك، فَتَكُوْنُ عِنْدَهُ عَلَى وِفْقِ الصُّوْرَةِ المُنْطَبِعَةِ في نَفْسِهِ مِنْهَا بالسَّمَاع. فَهَذَا هو الفَرْقُ بينَ إدْرَاك العَارِفِ في الدُّنيَا، وإدْرَاكِهِ في الآخِرَة؛ إذْ لا عَائِقَ عَنْ كَمَالِ الإدْرَاك واللذَّةِ بِهِ في الدُّنيَا إلا حُجُبُ الأجْسَامِ وتَدْبِير ضَرُوْرَاتِها، فَإذا ذهَبَتْ عَلائقُهَا مِنَ النَّفْسِ وانْصَرَفت عَنْ تَدْبِيرِهَا بالمَوْتِ كانَت لَذَّةُ المَعْرِفة أَكْمَلَ وأتَمَّ "اهـ { لا تبديل لكلمات الله } أي: قراراته نحو أن يحب أو يكره، لا أحكامه نحو أن يُحِل أو يُحَرّم؛ لأنه إله، فيلزم من تبديلها التغير، وهو مستحيل في حقِّه تبارك وتعالى { ذلك هو الفوز العظيم }[يونس:62-64] أي: الغاية القصوى، فأكَّد ما قلناه في وصفهم؛ إذ ليس كل وليّ يظفر بالفوز العظيم وإن كان فائزاً. وأما الغاية ( وهي سبب اختلاف الولاية في البداية عن النهاية ): فهي محبَّة الله تعالى لنفس العبد { وما يُلقَّاها إلا الذين صبروا وما يُلقّاها إلا ذو حظ عظيم }[فصلت:35]؛ كما في الخبر الصحيح: { إذا أحب الله عبداً حماه من الدنيا }[الترمذي والحاكم والبيهقي]. فبعد أن كانت ولاية الله تعالى للعبد بعونه على اجتناب الشَّرِّ لعمله الصالح في بدايته، تصبح بعصمته من الشَّرِّ عند بلوغ الغاية بمحبَّته في نهايته. وقد جمع الله تعالى ذلك في الخبر القدسي فقال: { لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل } فقام بالفعل واستحق الولاية المتعلقة به وما ترتّب عليها { حتى } يبلغَ الغايةَ فـ{ أحبّه } لنفسه التي صارت زَكِيَّة؛ إذ كان يحبّه من قبل لفعله كما أخبر في قوله ( وأحسنوا إن الله يُحب المُحسنين )[البقرة:195] يريد الإحسان بفعل النفقة، وقوله ( إن اللهَ يُحب التوابين ويُحب المتطهّرين )[البقرة:222] { فإن أحببته } أنعمت عليه بالولاية الأخص فـ{ كنت سمعه الذي يسمع به } وفي رواية { فبي يسمع } فَأَمُنّ عليه: بخرق العادة في السمعِ فيسمعني أو يسمع ملائكتي أو سائر خلقي من حيوان وجماد، وبالعِصْمَةِ في سمعه فلا يُذنِبُ في سمعٍ أبداً؛ إذ ما كان مقتضاه محبة الله تعالى يستحيل زواله بعد أن كان ممكن الحدوث، لأن محبة الله تعالى لا تحصل عبثاً، ولا تزول بعد ثبوتها؛ إذ يلزم منها التغير وهو مستحيل على الله تعالى { وبصره .. } الخ { وإن سألني } ما شاءَ مما لا يعارض الحكمةَ الإلهية بعد أن صارت أحواله بالله تعالى { لأعطينَّه } إياه { وإن استعاذني } من شرٍّ { لأعيذنّه } منه. وذكر قدَّس الله سرَّه في بعض فتاواه أدلة أخرى، منها: قصَّة الخضر رضي الله تعالى عنه؛ إذ فَعَل ما يُعتبر في ظاهر الشريعة ذنباً، وعذره سيدنا موسى عليه السلام بما ثبت له من عصمته: بأن لا بد أن يكون لفعله تأويل شرعي يضمن له الموافقة لأنه معصوم. فإن قيل: بل عذره لأن الله تعالى أطلعه على ذلك! قلنا: ليس في القصة أن الله تعالى أطلعه على ما سيكون من أمره، ولا أنه طالبه بموافقته؛ بل الذي فيها: أن الخضر رضي الله تعالى عنه هو الذي طالبه بالموافقة بقوله: { فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً }[الكهف:70]، فدلَّ على أنه عذره لمعرفته بعصمته، وهو المطلوب. فإن قيل: لو كان عذره لأجل ذلك لما وقع منه الإنكار! قلنا: ليس الإنكار هاهنا على المعنى الذي يستقيم لكم، بل هو تعبير عن الدَّهشة؛ إذ لو كان بحسب مفهومكم المبني على عدم عصمة الأولياء مع ما ثبت من عدم علمه بوجه الموافقة في قوله { ما لم تحط به خبراً }، لاقتضى إقامة الحد عليه ومفارقته له، فلما لم يفعل ذلك، بل فعل العكس: بأن اعتذر له، دلَّ على ما ذكرناه. وصورته: أنه اندهش مما ظنه لعدم خبرته بغير ظاهر الشريعة مخالفاً للشريعة! فقال ذلك وهو يريد: أن كيف يقع ممن ثبتت عصمته مخالفة الشريعة وهو غير جائز لأحدٍ مهما علت رتبته عند الله تعالى!! فإن قيل: ولكن قيل بنبوة الخضر رضي الله تعالى عنه! قلنا: هذا يلزم منه تسليمكم بأن موجب العذر: هو اعتقاد العصمة. والقول بنبوته: لم يرِد به سمعٌ، وليس هو مما يثبت بالرأي والاجتهاد، وما احتجَّ به القائلون بنبوته من القرائن جائزة في حقِّ الأولياء، وظاهر قوله { عبدا من عبادنا } وفي الأخبار: { فخرقها العالم }، { لو صبر لرأى من صاحبه العجب }: الولاية، فبطلت حجتهم، وثبت أنه معصوم بلازم قولكم، وهو المطلوب. فإن قيل: إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال! قلنا: هذا إن وُجِد لا إن أُوجِد، وإلا لادعى من شاء ما شاء في الأدلة، فبطل الاستدلال بها! فإن قيل: فمن أين عرف عصمته؟! قلنا: من أحد وجهين: أحدهما: أنه لما ثبت عنده محبة الله تعالى له بقوله { عبداً من عبادنا }[الكهف:65] إي: الصَّفوة، عرف ولايته الأخص وما يترتب عليها من العصمة. والثاني: أن يحمل قوله: { عبداً من عبادنا } على محبة الله تعالى له، وقوله: { آتيناه رحمة من عندنا } على عصمته، وقوله: { وعلمناه من لدنا علما } على إكرامه بالكشف. فائدة: وقوله { من عبادنا } دليل على أن ما جرى للخضر ليس خاصاً فيه، بل هو مما يجريه الله تعالى لمن نازل ذلك المقام، الذي هو مقام المحبة. وقال قدَّس الله سرَّه: ودعوى اختصاص الأنبياء والمُرسلين عليهم السلام بها يبطلها نفس الدليل أيضاً .. وإن كان يظن أن ما ذكره عن إذنابِ أناسٍ وخَاتمتِهم ووقوعِ محسنين منهم باللمم وأن الدنيا مختبر .. الخ: يدلّ على ذلك! فقد أخطأ لوجهين: أحدهما: أن الدليل بيَّن تنزيه الله تعالى أحبابه من الأنبياء والأولياء عليهم السلام عنه. والثاني: أن عمومه يشمل الأنبياء عليهم السلام، فلما عصمهم الله تعالى منه، جاز أن يعصم غيرهم، وقد صرح الدليل بثبوته. قال الحافظ في الفتح:" قوله [ أي: الإمام البخاري رضي الله تعالى عنه [في التبويب] ] .. ( المعصوم من عصَم اللهُ ) أي: مَن عَصَمَه اللهُ بأن حماه من الوقوع في الهلاك أو ما يجر إليه .. وعصمة الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام: حفظهم من النقائص وتخصيصهم بالكمالات النفسية والنصرة والثبات في الأمور وإنزال السكينة، والفرق بينهم وبين غيرهم: أن العصمة في حقهم بطريق الوجوب، وفي حقِّ غيرهم بطريق الجواز "اهـ وقال قدَّس الله سرَّه في بعض فتاواه: وقد قال الإمام ذو النون رضي الله تعالى عنه في وصف ولايتهم:" الولي: من توالت ولايته، وتولى الله عليه حركاته وأنفاسه، وقطعه عن الخلائق أجمع وزَهّدهم فيه، وأظهر عليه بركات نظره وسعته "اهـ، وقيل:" إذا بلغ العبد مقام المعرفة أوحى الله تعالى إليه بخواطره، وحرس سرّه أن يسنح فيه غير خاطر الحق "اهـ .. قال الإمام أبو عثمان المغربي رضي الله تعالى عنه:" لا يكون الوليُّ مفتوناً في ولايته "اهـ، قال الإمام السلمي رضي الله تعالى عنه في "مسألة درجات الصادقين":" وإذا أظهر ولياً من أوليائه للخلق أسقط عنه محلّ الفتنة، فلا يكون فاتناً ولا مفتونا "اهـ وقال أبو عثمان النيسابوري رضي الله تعالى عنه:" حُقَّ لمن أعزَّه اللهُ بالمعرفة ألا يُذِلّه بالمعصية "اهـ[طبقات:173]. تنبيه: والعصمة ليس في اقتراف المخالفات، بل عن اقترافها. ومن ثم قيل للإمام الجنيد رضي الله تعالى عنه: أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البرّ والتقوى إلى الله عز وجلّ!! فقال:" إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال! وهو عندي عظيم، والذي يسرق ويزني أحسن حالاً من الذي يقول هذا؛ فإن العارفين بالله تعالى أخذوا الأعمال عن الله تعالى وإليه رجعوا فيها، ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرَّة إلا أن يُحال بي دونها "اهـ[القشيرية:430]. وقيل لجعفر بن نصر: إن بعض الناس يجالسون النساء، ويقولون: نحن معصومون في رؤيتهن؟! فقال:" ما دامت الأشباح باقية، فإن الأمر والنهي باقٍ، والتحليل والتحريم مخاطبون به، ولن يجترئ على الشبهات إلا مَن تعرَّض للمُحرَّمات "اهـ[القشيرية:438]، وقال أحمد النوري:" مَن رأيته يدَّعي مع الله تعالى حالة تخرجه عن حدّ العلم الشرعي فلا تقربَنَّ منه "اهـ[القشيرية:439]. وقال قدَّس الله سرَّه: [ و ] عصمة الولي: إنما أقصد فيها إظهار نعمة الله تعالى على أخص عباده من خلال ما سقته من أدلة فيها، وإلا لو كان غير معصوم فليس ذلك يعيبه؛ فالعصمة: لا توجب لصاحبها إسقاط تكليف، ولا حقاً زائداً على الناس. وقال قدَّس الله سرَّه في توجيه العصمة: فاعلم حبيبي _ أسعدني الله وإياك وسائر الأمة بمحبته القدسية _: ومسألة " عصمة الأولياء الفخام " قدس الله تعالى أسرارهم البهية: إنما بحثتها من الناحية العلمية، وقد وفقت للصواب بفهمك _ زادك الله تعالى علماً _؛ فلست أعني عصمة شخص بعينه، ولا عصمة جميع الأولياء رضي الله تعالى عنهم، بل هو: من جهة إثبات ما أثبته الشرع: أن الله تعالى يعصم من شاء من عباده من نبي أو ولي. وإذا كان السؤال موجهاً لأسباب خارجة: فاعلم بأني ما ادعيت العصمة لنفسي على أحد من الخلق، فلم أقل لمريد في خلوة، ولا لطالب أو محب في جلوة: أني معصوم. واعلم بأن العصمة: نعمة لا تسلب من تجرد عنها رتبته ومقامه في الدعوة إلى الله تعالى تسليكاً أو تبليغاً، ولا هي مفتاح باب الدعوة إرشاداً وتعليماً، بل هي زيادة لرفع الدرجة والاستخلاص، وتحلية العبادة بكمال الإخلاص. وقال قدَّس الله سرَّه في ختام بعض فتاوى العصمة: ومن ادعى شيئاً مخالفاً للشريعة متستراً بما قررته: فأنا بريء منه، أقطع بأنه مبتدع، وأن ما جاء به بدعة منكرة مردودة عليه؛ قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد }. وفيما أوضحته كفاية، و{ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد }[ق:37]، { قل إنما أنذركم بالوحي، ولا يسمع الصمّ الدعاء إذا ما يُنذرون }[الأنبياء:45]، ولو علم الله تعالى فيهم { خيراً لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون }[الأنفال:23]؛ تلك سنة الله تعالى: { فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة؛ إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون }[الأعراف:30]. والحمد لله رب العالمين.
ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين باللون الأزرق [ -- ]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف؛ لأن ما نكتبه غالباً ما يكون مقتصاً من مكتوبٍ لمن ننقل عنه.
|