محطات من الإسراء والمعراج

قال شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه وخلفائه وورثته وأتباعه حقاً إلى يوم الدين ..

قال الله تعالى: { سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله؛ لنُريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير }.

قبل هجرة سيدنا رَسُول اللهِ محمد صلى الله عليه وآله وسلم بسنة، في ليلة الاثنين لسبع وعشرين من شهر رجب، بعث الله تبارك وتعالى إليه جبريلَ عليه السلام للإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراجِ منه إلى سدرة المنتهى، بالجسد والروح.

جاء في كلام بعض أهل الإشارات:" أن جبريل عليه السلام قال لسيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: قم يا نائم، فقد هُيّئت لك الغنائم. فقال: يا جبريل، إلى أين؟!! قال:

يا محمد، ارفع الأين من البَين، إنما أنا رسول القِدَمِ، أرسلت إليك لأكون من جملة الخَدَم.

يا محمد، أنت مُرادُ الإرادة ( الكُلُّ مُرادٌ لأجلِك، وأنت مُرادٌ لأجْلِه ) أنت صفوةُ كأسِ المحبَّة، أنت شمسُ المعارف، أنت بدرُ اللطائف، ما مُهّدت الدارُ إلا لأجلِك، ما حُمِيَ ذلك الحِمى إلا لوَصلِك، وما رُوِّقَ كأسُ المحبّة إلا لشربك.

يا محمد، إنما جيء بي إليك الليلة لأكون خادم دولتك، وحاجب حاشيتك، وحامل غاشيتك. وجيء بالمركوب إليك لإظهار كرامتك؛ لأن من عادة الملوك إذا استزاروا حبيباً أو استودعوا قريباً وأرادوا ظهور إكرامه واحترامه، أرسلوا أخصّ خدامهم، وأعز نوابهم لنقل أقدامهم، فجئناك على رسم عادة الملوك، وآداب السلوك "انتهى

الإسراء:

في الحديث الصحيح، أن سيدنا رَسُول اللهِ محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان نائماً فأتاه جبريل عليه السلام ومعه الْبُرَاقِ ( وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَىَ طَرْفِه، وقد قيل: مشتق من البرق؛ لسرعته، وقيل: سمِّي بذلك لشدَّة صفائه وتلألؤه وبريقه)، فأيقظه، فَرَكِب البراقَ حَتَّى أتى المسجد الأقصى، فصلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ إماماً بالأنبياء جميعاً، ثُمَّ خُيّر بين الخمر واللبن، فاختار اللَّبَنَ، وهو الفِطْرَةَ ( أي: السّنّة التي لم يطرأ عليها تغيير ) ..

المِعراج:

وفي نفس الحديث، أن سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لما فرغ عرجَ به إِلَى السَّمَاءِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ[1]. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ( يعني: للإسراء وصعود السَّماوات، لا البعثة والرِّسالة؛ فإنَّ ذلك لا يخفى إلى هذه المدَّة. )؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لهما فَإِذَا هو بِآدَمَ، فَرَحَّبَ به وَدَعَا له بِخَيْرٍ.

ثُمَّ عَرَجَ به إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ .. كذلك .. وشاهد فيها سيدنا عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ[2]، وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عليهما السلام، ولم يزل يُعرج به إلى سماء بعد سماء، ويشاهد إخوانه الأنبياء عليهم السلام حتى تخطّى السماء السابعة.

قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { ثُمَّ ذَهَبَ به إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىَ[3]، وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلاَلِ، فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ الله مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ الله يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، فَأَوْحَى الله إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.

فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى عليه السلام فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَىَ أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلاَةً. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يُطِيقُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ؟ فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي[4] فَقُلْتُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي. فَحَطَّ عَنِّي خَمْسَاً، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَىَ فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسَاً. قَالَ إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يُطِيقُونَ ذَلِكَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ؟ فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَبَيْنَ مُوسَى عليه السلام حَتَّى قَال { يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلاَةٍ عَشْرٌ فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلاَةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْراً، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئاً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً }، فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَىَ عليه السلام فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ }.

ثم هبط سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد الحرام، فلما أصبح أخبر الناسَ بخبره، فصاروا بين مصفق وواضع يدَه على رأسه تعجباً وإنكاراً، بينما سارع بعضهم إلى سيدنا أبي بكر رضي الله تعالى عنه لفتنته وقد ارتد بعض ضعاف القلوب من الذين آمنوا، ولكنه قال لهم:" إن كان قال ذلك لقد صدق "، قالوا: أتصدقه على ذلك؟! فقال لهم:" إني لأصدقه على أبعد من ذلك "، فسمي منذ ذلك اليوم " صدّيقاً ".

ثم إنهم امتحنوا سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، فسألوه نعت بيت المقدس _ لعلمهم أنه لم يره من قبل _، فجلاه الله تعالى له، وأخذ ينعته شيئا شيئاً، قالوا:" فأخبرنا عن عِيرنا _ وكانت لهم عيرٌ قادمة من الشام _؟ فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها ويوم قدومها ووقته وما يَقْدُمها عند الوصول، فخرجوا في الموعد، فإذا هم بها كما وصفها سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما زادهم ذلك إلا كِبراً وعِناداً، حتى قالوا:" هذا سحر مبين "!

ثم جاءه جبريل عليه السلام وبين له كيفية الصلاة وأوقاتها.

الآيات التي رآها سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فمنها:

رؤيته الأنبياء جميعاً.

رؤيته جبريل عليه السلام على صورته ( له ستمائة جناح ).

رؤيته للنار، ولأصناف من المعذبين فيها، فرأى المُضَيِّعين للصلاة تُرضَخُ رؤوسُهم بالصَّخر، كلما رُضخت عادت كما كانت، فيتكرر الأمر، ولا يُفتر عنهم ذلك. ورأى مانعي الزكاة يأكلون الضريع والزقوم وحجارة جهنم المحماة. ورأى الزناة بين أيديهم لحم طيب ولحم خبيث، فجعلوا يأكلوا من الخبيث ويَدَعون الطيّب. ورأى الفتَّانين تُقرَض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت، لا يُفتر عنهم من ذلك شيء. ورأى المغتابين لهم أظفارٌ من نحاس يخمِشُون وجوههم وصدورهم .. الخ

رؤيته الجنة، وسماعه صوتها وهي تستعجل الله تعالى ساكنيها ..

رؤية الله تعالى، وسياق الآية، وما يقتضيه ذلك من التنزيه:

وهاهنا استفسار حول رؤية سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم اللهَ تعالى في تلك الليلة، هل ثبت أم لا؟ وإن حصَل، وهو الأشرف والأعظم على الإطلاق، ألم يكن ذكره أولى من ذكر الآيات في التعليل للرحلة؟

والجواب: أن العلماء قد اختلفوا في ذلك قديماً وحديثاً، فاقتضى أن الجواب على وفق الإثبات، فنقول:

أن رؤية الله تعالى لما كانت منزهة عن المكان؛ إذ نسبة الأمكنة إليه نسبة واحدة، فيراه من الأرض كما يراه من سدرة المنتهى، بل قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد }، لم يذكرها؛ لعدم المناسبة لغةً، ودفعاً للشبهة. ولأن الله تعالى عالمٌ بخلقه، وأنه سيكون منهم مبتدعون في قلوبهم زيغٌ يتبعون ما تشابه من خطاب الله تعالى ورسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لا يردعهم هذا البرهان الواضح على قداسة الله تعالى عن الجهة والمكان والحدِّ وما في معنى ذلك من معاني الخلق؛ لجهلهم أو لأن في قلوبهم مرض، افتتح الآية الكريمة بالتسبيح { سبحان الذي أسرى بعبده } وهو: سلبُ معاني الخلق عن الخالق جلّ وعلا.

وفي قوله تعالى: { الذي أسرى بعبده }، مع اتفاق الأمة بعد ورود الخبر أن الذي باشر فعل الإسراء والمعراج إنما هو جبريل عليه السلام بصحبة البُراق: إثبات للإضافة الحكميَّة ( أن الله تعالى يضيف الأمر إلى نفسه حكماً لا فعلاً )، ومن ثم: ليعتبر بذلك الذين يجمدون على حقائق الألفاظ الواردة في الخطاب كالإتيان والمجيء والنزول والاستواء ونحو ذلك، فيزعمون أن الله _ تعالى عما يقولون علواً كبيراً _ يفعل ذلك حقيقة!! ما قدروا الله حقَّ قدره، سبحانه وتعالى عما يُشركون.

نفي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها للرؤية:

وقد صحَّ أن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها سئلت عن تلك الرؤية؟ فقالت:" لقد قَفَّ شعري مما قُلت .. من حدثكم أن محمداً رأى ربَّه فقد كذب؛ { لا تُدركه الأبصار وهو يُدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير }، { وما كان لبشَر أن يُكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب }، ولكنه رأى جبريل في صورته مرّتين ".

ونتناول هذا الخبر من جهة ما يدل عليه من التنزيه: فإنه يفيد أن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها لما علمت صمديّة الله تعالى، وقداسته عن معاني الخلق، ولم يتبادر إلى ذهنها من معنى الرؤية إلا ما يُعرف من رؤية المخلوق لمخلوق وما يقتضيه ذلك من المماثلة ولزوم الجهة والمكان والحد ونحو ذلك، سارعت إلى تكذيب مدعيه بدون النظر في برهانه؛ تعويلاً على محكمات أصول الدين، حتى أنها استدلت بالآيات على إطلاقها!!

من حكمة الإسراء والمعراج:

أما الحكمة الخاصة، فمنها:

أن الإسراء: إظهار الحق للمعاند؛ فلا بد أن يكون في المعجزة ما يدركه المعاند حتى تقوم الحجة عليه.

أن المعراج: إطلاع سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم على آيات كبرى.

وأما الحكمة العامّة، فمنها:

أولاً: مكانة المسجد الأقصى عند الله تعالى، وأنه محطة عروج إلى العالم العلوي، كما نرى اليوم أرواح الشهداء التي تزف يومياً إلى السماء.

ثانياً: مكانة الصلاة الشرعيَّة، وأنها معراج المؤمن، واتصال له بالله تعالى.

ثالثاً: فضل الليل على النهار في المناجاة وما في معناها، وفي ذلك رد على الفلاسفة الذين يزعمون أن الظلمة من شأنها الإهانة والشر.

وإنما نحتفي بذكرى الإسراء والمعراج، شكرا لله تعالى على هذه النعمة والفضيلة، واعتباراً بها في سلوكنا إلى الله تعالى؛ فإن فيها كما لاحظنا من المحطات المتقدمة دروساً في العلم والعمل والأدب، نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم بها.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1]- وفي هذا بيان أدب الاستفتاح، أن يذكر المستفتح اسمه إذا سئل، ولا يقول: أنا!!

[2]- وفي هذا بيان عدم اختصاص سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمعراج إلى السماء؛ إذ سيدنا عيسى عليه السلام حيّ بالجسد والروح قطعاً، وها هو في السماء.

[3]- قيل: سمِّيت " سدرة المنتهى ": لأنَّ علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلاَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: لكونها ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تعالى.

[4]- معناه: رجعت إلى الموضع الَّذي ناجيته منه أوَّلاً فناجيته فيه ثانياً. فالعروج والرجوع ليس للتقرب من الله تعالى؛ لأن القرب منه لا يكون بالمسافة؛ قال تعالى: { واسجد واقترب }، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: { أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد } .. إلى غير ذلك.


هذا النص يمثل متن المحاضرة (النقاط الرئيسية التي دارت عليها المحاضرة)

ألقاها رضي الله عنه في أحد مساجد جنوب لبنان

1 شعبان 1424 = 27 أيلول 2003