|
مذهب أهل السنة في رؤية الله في الدنيا الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على حبيبه المصطفى، وخلفائه أهل الصفا. يقول خادم الدار _ غفر الله له ونفعه بصحبة الأبرار والأخيار _: لقد قرأت بحثاً مختصراً يستوعب الخلاف في مسألة " رؤية الله في الدنيا "، وكنت قد شاهدت كتابات لأحداث يشددون الإنكار على من أثبتها، ويجتهدون في محاولة إخراج المثبتين من أهل السنة!! فنقلت المتن مع شرحه كما هو، وعلقت عليه بما يزيده وضوحاً، فجعلت المتن بين قوسين ( - ) محدّقاً، والشرح خارجهما، وكلاهما باللون الأسود، وجعلت تعليقي بين معقوفتين [ - ] باللون الأزرق لكلامي، والأخضر للكلام النوراني الذي أنقله عن سيدي شمس الزمان _ قدس سره _، والأسود لكلام أنبه عليه في المتن أو شرحه أو الحاشية عليه، وهذا ما يسره الله سبحانه لي: قال الجلال شمس الدين محمد بن أحمد المحلي في شرحه على متن جمع الجوامع للإمام تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي _ رضي الله عنهم _: ( وَاخْتُلِفَ [ فيما بين أهل السنة والجماعة رضي الله عنهم ] هَلْ تَجُوزُ الرُّؤْيَةُ ) لَهُ تَعَالَى ( فِي الدُّنْيَـا ) فِي الْيَقَظَةِ ( وَفِي الْمَنَامِ ) [ قلت: وفي فصل الإمام تاج الدين _ رضي الله عنه _ المنامَ عن الدنيا، مع أن النائم في الدنيا: ما يفهم بأنه يفرق بين الدنيا من جهة أنها دار، أو حياة؛ كما نبه إلى ذلك شيخنا الإمام العارف شمس الزمان طارق السعدي رضي الله عنه، وكما صرح به مولانا الشيخ أحمد الفاروقي النقشبندي رضي الله عنه في تأويل الرؤية الشريفة بقوله:" وان تشرف بها نبينا عليه الصلاة والسلام بهذه الدولة لم يكن وقوعها في الدنيا بل دخل الجنة ورأى فيها، وهي من عالم الآخرة، لا انه رأى في الدنيا بل خرج من الدنيا وصار ملحقاً بالآخرة فرأى" ] فَقِيلَ: نَعَمْ، وَقِيلَ: لا. أَمَّا الْجَوَازُ فِي الْيَقَظَةِ [ قال العلامة البناني _ رضي الله عنه _ في حاشيته:" أي: وهو مذهب أهل السنة "انتهى ]: فَلأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَهَا حَيْثُ قَالَ: { رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إلَيْك }؛ وَهُوَ لا يَجْهَلُ مَا يَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ عَلَى رَبِّهِ تَعَالَى. وَالْمَنْعُ [ قال العلامة البناني _ رضي الله عنه _ في حاشيته:" أي: في اليقظة، وهو مذهب المعتزلة "انتهى ]: لأَنَّ قَوْمَهُ طَلَبُوهَا، فَعُوقِبُوا؛ قَالَ تَعَالَى: { فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ }، وَاعْتُرِضَ هَذَا: بِأَنَّ عِقَابَهُمْ لِعِنَادِهِمْ وَتَعَنُّتِهِمْ فِي طَلَبِهَا، لا لامْتِنَاعِهَا [ وهذا يدل على أن أنه لا فرق في جواز الرؤية في الدنيا للمؤمنين على تفاوت مراتبهم، خلافاً لما يروج له بعض الأحـداث: أن الخلاف في رؤية الدنيا هو في شخص سيدنا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فقط، لا في سائر المؤمنين!! وهو ما يؤكده قول الإمام تاج الدين _ رضي الله عنه _ في الطبقات _ وهو يحاور عارفاً يثبت رؤية الأولياء لله سبحانه في الدنيا:" اختلف في جواز رؤية الله تعالى في الدنيا "، وأجابه العارف بقوله:" الحقّ الجواز "، راجع طبقات الشافعية رضي الله عنهم: [1/502-504] ]. وَأَمَّا الْمَنْعُ فِي الْمَنَامِ: فَلأَنَّ الْمَرْئِيَّ فِيهِ خَيَالٌ وَمِثَالٌ، وَذَلِكَ عَلَى الْقَدِيمِ مُحَالٌ. وَالْمُجِيزُ: قَالَ: لا اسْتِحَالَةَ لِذَلِكَ فِي الْمَنَامِ. وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْوُقُوعِ [ سألت شيخنا شمس الزمان عن سبب سكون الإمام تاج الدين _ رضي الله عنهما _ عن الوقوع؟ فقال:" هو لم يسكت، ولكن أطلق الجواز، وأراد به: " الإثبات والوقوع "؛ يهديك لذلك _ حبيبي _: أنه لما حاور الشيخ الإمام الصالح العارف محمد بن اسفهبدا الأردبيلى رضي الله عنه في الوقوع، استعمل لفظ الجواز على مدار الحوار، والله تعالى أعلم "انتهى ]. وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ فِي الْيَقَظَةِ _ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ _: قَوْله تَعَالَى: { لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ }، وَقَوْلُهُ لِمُوسَى: { لَنْ تَرَانِي }، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ. [ قال العلامة البناني _ رضي الله عنه _ في حاشيته:" أي: في الدنيا، وهذا على حمل الإدراك على مطلق الرؤية، لا على الإحاطة، وإلا فلا دلالة في الآية على منع أصل الرؤية "انتهى، وقد بين شيخنا الإمام رضي الله عنه أن أخبار رؤية الآخرة والذي ذكر هنا واحد منها:" أنها دخلها الاستثناء والتخصيص "، وهو ما يبدو أن صاحب الحاشية يقول به؛ لأنه سكت عنه ]. نَعَمْ، اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي وُقُوعِهَا لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَالصَّحِيحُ: نَعَمْ، وَإِلَيْهِ اسْتَنَدَ الْقَائِلُ بِالْوُقُوعِ فِي الْجُمْلَةِ [ وهذا _ أيضاً _ فيه ردّ على أحداثٍ يجهلون الأدلة وطرق الاستدلال بها، وينكرون الحجة بوقوعها للنبي صلى الله عليه وسلم على صحة وقوعها لغيره!! وزادوا على حداثتهم أن سموه " قياساً "!! وقد سألت سيدي الإمام شمس الزمان _ رضي الله عنه ونفعنا بعلومه وإرشاده وبركته _ عن قولهم؟ فقال:" إن هذا قول من جهل أصول العلم، وتفيقه بدعوى معرفة القياس؛ فإن المسألة من البيان، وتبحث من جهة التعميم والاختصاص، وقد بينت: أنه لا دليل على الخصوصية الشريفة، لكن القرائن تفيد بأنها تحصل لأخص الأصفياء والأولياء على ما توسعت به في موضعه بفضل الله تعالى "انتهى ]. لَكِنْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ { سَأَلْت رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رَأَيْت رَبَّك قَالَ رَأَيْت نُورًا } وَفِي رِوَايَةٍ { نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ }؟! بِتَشْدِيدِ نُونِ أَنَّى، وَضَمِيرُ أَرَاهُ: للهِ، أَيْ: حَجَبَنِي النُّورُ الْمُغَشِّي لِلْبَصَرِ عَنْ رُؤْيَتِهِ. [ قلت: ولكن الشبهة الموهومة في هذا الخبر مردودة بقول الشيخ نفسه " والصحيح: نعم " أي وقعت الرؤية للنبي صلى الله عليه وسلم، وقال شيخنا الإمام _ رضي الله عنه _ في الجمع بين الأخبار الواردة في الرؤية: أنها وردت " بلا قيد ( أي: رؤية تامَّة )، وبقيد ( أي: بحجاب النور )، ونفيها. ولا تعارض بين الإثبات بلا قيد وبقيد؛ لعدم التصريح بأن الكلام عن نفس الواقعة، وجواز أن يكون رآه حيناً بلا قيد وآخر بقيد. فيُقال: رأى سيدُنا رسولُ الله محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم ربَّه بلا حجابٍ وبحجاب. وإنما التعارض بين الإثبات والنفي، فيُقَدم الإثبات؛ لما تقرَّر من تقديم المثبت على النافي "انتهى، وقال العلامة البناني _ رضي الله عنه _ في حاشيته:" يجاب عما استدرك به الشارح من رواية مسلم عن أبي ذر: بأنها ليست صريحة في عدم الرؤية، وبتقدير صراحتها: فأبو ذر فيها نافٍ، وفي غيرها مثبتٌ كغيره، والمثبت مقدم على النافي "انتهى ]. وَقَدْ ذَكَرَ وُقُوعَهَا فِي الْمَنَامِ الْكَثِيرُ مِنْ السَّلَفِ: مِنْهُمْ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَعَلَى ذَلِكَ الْمُعَبِّرُونَ لِلرُّؤْيَا. وَبَالَغَ ابْنُ الصَّلاحِ فِي إنْكَارِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنْعِ. [حاشية العلامة البناني على الشرح والمتن:2/633-634] طالع مختصر ما أفتى به شيخنا شمس الزمان في المسألة
|