سئل شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ الإمام طارق السعدي حفظه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد الأمين، وعلى آله الطاهرين، وعلى صحبه الغرّ المحجلين.

وبعد: حضرة الشيخ النورانيّ الفاضل طارق السَّعدي حفظكم الله العلي القدير، واغوثاه، واغوثاه، واغوثاه لعبد محب درس الشريعة ولم يجد فيما درس ومع من درس ما يشفي الصدر في بعض المسائل المهمات، فضاق صدره وحار عقله لعجزه عن الطمأنينة للحق فيها، وأهمها:

مسألة الإيمان بصفات الله جلّ وعلا!

فما يفيدني به السادة خلفاء الرحمن، وشموس الزمان، أهل الذكر، في هذه المشكلة باختصار في البيان؟

ولكم مني أخلص الشكر والامتنان، وأزكى الرجاء بالشفاء على أيديكم الشريفة نسباً وعلماً؛ فقد قرأت لكم من البيان في هذه المسألة ما أذهب عني كثيراً من الغم والهم، ولكن بقي ما تستشفّه بفراستك من استغاثتي، فأدركني بحكمتك.

والحمد لله رب العالمين.

فأجاب شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ذي الحمد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد خير العَبيد، ثم على المُبَشِّرين به وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته إلى يوم المَزيد.

عزيزي .. ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته.

وبعد: فإن الناظر في خطاب الله تعالى للناس، يُبصِر بتوفيق الله تعالى: أنه اشتمل على طريقين بيّنَين فيما يتعلق بمسألة صفات الله تعالى:

الأول: < منطوق >: وهو آيات التنزيه التي بيَّنت مخالفة الله تعالى للحوادث، نحو قوله عزّ وجلّ: { ولم يكن له كفواً أحد }، وهي أصل المسألة؛ لأنها مُحكمة في التنزيه، عامَّة في الاستغراق، بحيث يزهق بها الباطل الذي اشتبه على المخالفين، أو حشوْه بزيغهم لاحتمال اللفظ، في آيات أخرى كقوله جل جلاله: { ليس كمثله شيء }؛ إذ بِرَدّ هذه إلى الأولى _ مع اعتبار أن الشبهات التي يتمسك بها هؤلاء المبتدعة أكثر ما يُقال فيها: أنها محتملة، ولم يرد النصّ بإرادتها _ يُعتدّ بها قطعاً في بيان التنزيه الكلّي، وإقامة الحجة على المخالفين.

فوجب إيمان الناس بما خاطبهم الله تعالى به من صفاته القدسيّة، على أصل التنزيه.

وذلك يقتضي وجوب التفويض فيها: بأن تُثبَت كما وردت في الخطاب، وتجرَّد عن صفات الخَلق بالكليَّة، ويُفَوّض علم حقيقتها لله تعالى.

فيُقال: نؤمن بأن الله تعالى قادر بقدرة هي صفته منزهة عن قدرات الخلق هو أعلم بحقيقتها. ونؤمن بأن كل شيء هالك إلا وجه الله، كما أخبر، منزهاً عن حقيقة الوجه عند الخَلق ( أي: ليس على معنى حقيقي من معاني الوجه المعلومة عند الناس )، وهو أعلم بحقيقته. ونؤمن بأن الرحمن على العرش استوى، كما أخبر، منزهاً عن حقيقة الاستواء عند الخلق ( أي: ليس على معنى حقيقي من معاني الاستواء المعلومة عند الناس )، وهو أعلم بحقيقته.

ومستند التفويض: أن الله تعالى لما خاطب الناس عن ذاته وصفاته بألفاظ محكمة ومتشابهة، بيّن لهم مخالفته للحوادث، وعجزهم عن إدراكه عزّ وجلّ، فلزم من ذلك: نفيَ وجه الحقيقة اللفظية عما أثبته سبحانه وتعالى لنفسه ( أي: نفي المعنى الذي استعمل اللفظ ابتداء للدلالة عليه بين الخلق، كالقدرة للطاقة المتولدة في الجسم، والوجه للجزء الأمامي من رأس الجسم، والاستواء للقعود، وهكذا )، ولم يبق إلا التأويل بالحمل على المجاز، أو التفويض بالحمل على حقيقة إلهيَّة مبنيّة على الأصل المتقدّم. ولما لم يأمر الشارع بالتأويل كان التفويض كافياً.

ومحل التفويض إنما هو: في حقيقة الصفات، ومعنى الألفاظ المتشابهة.

كما يقتضي صحّة التأويل: بأن تُثبَت كما وردت في الخطاب، وتجرَّد عن صفات الخَلق بالكليَّة، ويُنظر في القرائن المحتفّة بها للوصول إلى المعنى المقصود بالمتشابه منها.

فيُقال: نؤمن بأن الله تعالى قادر بقدرة هي صفته منزهة عن قدرات الخلق هو أعلم بحقيقتها. ونؤمن بأن كل شيء هالك إلا وجه الله، كما أخبر، والوجه هنا بمعنى " هو " ( أي كل شيء هالك إلا الله تعالى ). ونؤمن بأن الرحمن على العرش استوى، كما أخبر، والاستواء اختلف معناه في الخطاب باختلاف موضعه، فعني به مرة القهر، وأخرى التدبير .. الخ.

ومستند التأويل: أن الله تعالى لما خاطب الناس عن ذاته وصفاته بألفاظ محكمة ومتشابهة، بيّن لهم مخالفته للحوادث، وعجزهم عن إدراكه عزّ وجلّ، فلزم من ذلك: نفيَ وجه الحقيقة اللفظية عما أثبته سبحانه وتعالى لنفسه ( أي: نفي المعنى الذي استعمل اللفظ ابتداء للدلالة عليه بين الخلق، كالقدرة للطاقة المتولدة في الجسم، والوجه للجزء الأمامي من رأس الجسم، والاستواء للقعود، وهكذا )، ولم يبق إلا التأويل بالحمل على المجاز، أو التفويض على الوجه المتقدّم. ولما لم يأمر الشارع بالتأويل وكان التفويض كافياً، نُظِر فوُجد أن الخطاب قد اشتمل على تأويلات لبعض الألفاظ المتشابهة كالنزول وغيره مما بينته مفضلاً في غير هذا الموضع بعون الله تعالى، كما أنه حث على فهم المعنى لا الحقيقة؛ للعجز عنها، فكان التأويل صحيحاً، وأعلمَ من التفويض.

تنبيه: وما قيل من أن السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم مفوضة!! لا يصح على الإطلاق؛ فإن البعض أولوا، وآخرون عُلم من النظر في الحال أنهم فوضوا درءاً لبدعة وسداً لذريعة، وآخرون لم يلتزموا ذلك في جميع الألفاظ، فتنبه لهذا.

وكل ما ذكرته لك من اشتمال الخطاب على التأويل وحثّه على فهم المعنى، وتأويل السلف ومذهبهم، كنت قد بينته وفصلته في غير موضع من الكتب والفتاوى، فارجع إليه تنتفع بعون الله تعالى.

ومحل التأويل إنما هو: الألفاظ المتشابهة.

الثاني: < مفهوم >: وهو ما يقتضيه خلاف التنزيه الكلِّي من التضارب في هذا الباب؛ إذ كل من انتحل مفهوماً باطلاً تعلق بما ظنه حجة له، وتأوّل ما عارضه فاراً من التضارب! ولكن هيهات؛ فإن التفريق الذي لجأ إليه ليس له فيه حجة إلا اتباع الهوى.

فمذهب المجسم في إثبات الجهة _ مثلاً _، يتضارب مع مذهب الاتحادي المتعلق بنحو قول الله تعالى: { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } الآية.

ولما كان الخطاب خال من التضارب، دلّ على أن كلى الأمرين وما في معناهما من المذاهب باطل، فلم يبق إلا إعمال قاعدة في الخطاب جميعاً لا توقع في ذاك التضارب، والناظر في ذلك يدرك أن قاعدة لا تحقق ذلك إلا قاعدَتَي أهل الحق: التأويل، والتفويض، فالحمد لله تعالى.

 

تتمة: ومنتهى مذهب أهل الحق: العجز لا الجهل؛ فإن العجز مبني على عدم إمكان الإدراك، خلافا للجهل؛ فإنه مبني على الإمكان، وهو ما تقتضيه النحل الباطلة عند التحقيق بغض النظر عن الاعتراف أو التصريح بذلك أم لا.

وبالعجز يتحقق الإيمان، وبالجهل يتحقق الزيغ.

فمن بلغ العجز عن إدراك الحقِّ تبارك وتعالى عُلِم أنه مؤمن على الصراط المستقيم، ومن بلغ الجهل به عُلِم أنه زائغ على الصراط الرجيم.

والدليل لأهل الحق من وجهين:

النقل: وذلك بما ثبت من بيان عجز الناس عن إدراك الخالق جل جلاله في نحو قوله تعالى: { لا تدركه الأبصار }، والأمر بالتوقف عن التفكر في حقيقته في نحو الخبر المتفق على العمل به: { تفكروا في آيات الله ولا تتفكروا في الله }.

العقل: وذلك أن ما لم يكن منزهاً بالكلية عن صفات الخلق فهو مخلوق، والعقول إنما تدرك ما نُقِل إليها من الحس والخيال، فقطعاً ستقف عاجزة عند طلب معرفة ما خالف معلوماتها ولم يخضع لمصادرها.

ومن ثم استُدل على الله تعالى بآياته لا بمعاينته.

وأما " الحيرة " التي تصيب بعض المشتغلين بهذا العلم أو المقبلين عليه: فإنما ترجع لعدم تفريقهم بين الحق والخلق، عن علم أو جهل؛ إذ لا تقوم الحيرة إلا عند طلب الحق على معني الخلق، فيحتار نافي المكان في وجود الحقِّ تعالى بلا مكان، وهكذا .. الخ.

فمن بنى معتقده في الله تعالى على التفريق أمِن الحيرة.

هذا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

خادم الحق

طارق بن محمد السَّعْدِي