|
الرؤية القدسية سئل شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ الإمام طارق بن محمد السعدي حفظه الله في مجلسٍ عامّ: عن الآية الكريمة: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة }! قال السائل: هل نرى رب العالمين؟ هل نرى الله عز وجل يوم القيامة وفي الدنيا؟
فأجاب رضي الله عنه:
نعم، الرؤية جائزة وثابتة في كتاب الله
تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن على أصل التوحيد، وعلى أصل
التنزيه، فلا نثبت الرؤية كما هي رؤية المخلوق للمخلوق: لا يقال أن الله عز
وجل يرى في جهة، ولا أنه يرى على صورة أو شكل، ولا على أي معنى آخر من
معاني المخلوقات؛ لأن الله عز وجل:
قال السائل: طبعاً لن نراه على شكل _ [[ يعني: شكل معيَّن ]] _، لكن سوف نراه؟ فأجاب رضي الله عنه: لن نراه على أي شكل. وقول النفس: الشيخ يقول " أننا سوف نراه "، ويقول " أننا لن نراه على أي شكل، لا في صورة ولا في جهة .. الخ "، فكيف سنراه؟!! فالجواب: أن النفس هنا تطالب بجواب محسوس، بمعانٍ مدركة مختَبَرة عندها، وذلك أنها ما اعتادت أن ترى شيئاً ليس كالأشياء التي تراها ( ليس في جهة ولا في شكل ولا في لون .. الخ )، فتُحدث صاحبها: بأن ما نعتقده في شأن رؤية الباري عز وجل ليس برؤية؛ لأن إلغاء تلك المعاني إلغاءٌ للرؤية!!
أقول: بل هو إلغاءُ المعاني الخَلقيَّة
عن رب البريَّة؛ لأن كل هذه المعاني ( الجهة والشكل واللون والصورة .. الخ
) إنما هي معاني المخلوقات، فكلام النفس صحيح لكن ليس في إلغاء الباري عز
وجل، بل في إلغاء إدراكه، وهو موافق لقوله سبحانه:
فـ"الإلغاء التام" في ذلك: إنما يتحقق بالنسبة للمخلوقات فيما بينها، أما بالنسبة للباري عز وجل: فليس ذلك "إلغاء تاماً"، بل هو تنزيه، أي: إلغاء المُدركات عنه سبحانه. لكن لأننا حيث نثبت الحق عز وجل والرؤية بهذا المعنى ( المنزه عن معاني الخلق ) نقف على العجز، وتطمع النفس بالإدراك، تحدث بذلك وتحكم عليه بناء على علمها. فإذا قالت النفس: أنت تعطيني معنى لست قادرة على فهمه؛ كيف سأراه من غير هذه الأشياء؟!! فجوابها: أن نسألها فنقول: إذاً أنت عاجزة عن فهم ذلك وإدراكه؟ ستقول: نعم عاجزة.
فنقول لها: إذاً فأنت على الصراط
المستقيم والاعتقاد الحق؛ لأن الله عز وجل يقول
فنحن نقول: الرؤية ثابتة، ولا نقول نلغي رب العالمين، بل نلغي معاني المخلوقات عن رب العالمين، نلغي المعاني الخلقية. قال السائل: كيف تحصل الرؤية؟! فأجاب رضي الله عنه: أقول: الله عز وجل يُمَكِّن الخلقَ من رؤيته كما أخبر في كتابه وسنة حبيبه صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا يسر الله عز وجل حصولها، فستحصل بلا إدراك ( أي: ليس على معنى من المعاني الخلقية التي ندركها أو يمكن إدراكها )، ولسوف يكون الجواب محققاً في حينه. أما أن نستطيع الآن قراءتها، أعني: القول بأنها تحصل على كيت أو كيت، فمحال، وأقصى ما فيه: أن يحصل التوفيق بقراءة الأمثال للتفكر والتعقل؛ لأن أي معنى نظهرها به في عالم الحسِّ والإدراك إنما هو معنى خلقي لا يوافق حقيقتها، إذ المعاني الخلقية لا تجوز في حق الله تبارك وتعالى. ثم قال الشيخ رضي الله عنه وقد سكت السائل بعد ذلك، بينما يرى _ قدس سرّه _ أن المسألة لا تزال ملتبسة عليه: أرجو أن يكون كلامي واضحاً، وأتمنى على من لم يجد فيه الكفاية طرح الشبهة التي التبسَت عليه، ولا تغلقوا أي مسألة قبل أخذ الجواب الكافي؛ فإن لدينا بدل الجواب ألف جواب بعون الله تعالى. فقال السائل: إن الله على كل شيء قدير [[ وهو يريد: أنه قادر على أن يرينا نفسه على شكل ما ]]!! فأجاب رضي الله عنه: كلا المسألة هنا ليست كذلك [[ يعني: لأن التشكل مستحيل على الإله كما نبَّه عليه مولانا شمس الزمان في غير موضع ]] .. فقاطعه السائل قائلاً: أعتقد أننا نرى الله سبحانه وتعالى يوم الآخرة، ولكن لا نراه كله، أي: كل حجمه! كما نرى السماء الآن ( نحن لا نراها كلها الآن، لكن نستطيع أن نرى منها )، ربما هذا هو معنى رؤية من غير إدراك كامل؛ فهذه رؤية ولكن ليس فيها إدراك! كما أنا نرى بعض البحر ولا نراه كله، لا نرى كل حجمه! وطبعاً الله ليس كالبحر ولا كالسماء فليس كمثله شيء؟! فأجاب رضي الله عنه: حسناً، بلّغت شبهتَك، فتدبر الجواب عليها: أولاً: لا شك أن "الحجم" مِن أوصاف المخلوقات، مِن أوصاف مَن؟ قال السائل: من أوصاف المخلوقات. قال شمس الزمان رضي الله عنه: وعليه: فإن الله عز وجل لا حجم له؛ لأنه ليس كالمخلوقات، ولأن معاني المخلوقات دليل على أنها مخلوقة تفتقر إلى خالق، لذلك نقل الإمام الطحاوي رحمه الله في متنه المعتَمد:" أن الله عز وجل تعالى عن الحدود والغايات .. " إلى آخره، وهي معاني المُحَجَّم. فعقيدة أهل السنة: أن الباري عز وجل منزه عن "الحجم" وسائر معاني الخلق. والقول: أن كبر الحجم مانع من الإدراك! باطل؛ فإن أي شيء قُرّبَ إلى العَين سيُرى منه البعض دون الكل ولو كان أصبعاً، أليس كذلك؟ قال السائل: طبعاً. قال شمس الزمان رضي الله عنه سائلاً: ولو أُبْعِد؟ قال السائل: نراه كله طبعاً. قال شمس الزمان رضي الله عنه: والبحر _ في مثالك _ قد تم إدراكه كلّه فعلاً، بل وإدراك الأرض جميعاً في زماننا، ولو قُدِّر لنا الابتعاد عن السماء كما ابتعدنا عن الأرض جواً، أو أُبْعِدَت عنا لأدركناها كلّها. فلو كان للباري عز وجل حجم _ والعياذ بالله تعالى _ وابتعد عنَّا لرأيناه كلَّه!! فنخلص: أن ما أمكن إدراك جزء منه، أمكن إدراك الكل، أو: إذا جاز إدراك الجزء جاز إدراك الكل. فإن قلنا: أن لله تعالى حجماً يُدرك بعضه فيجوز أن يُدرك كله! فقد خالفنا آية التنزيه عن الإدراك، إضافة إلى مخالفة آيات التوحيد والتنزيه عن المماثلة والتشبيه!! وهاهنا أعيد التنبيه: أن النفس ترفض التسليمَ، لأنها ترفض إثبات شيء غير مدرك عندها ولو بالتشبيه.
فالموفق: من ألزمها بحجته العقلية
والنقلية: أن كل المدركات معان خلقيَّة، لا تجوز في حق رب البريَّة، فليس
الله تعالى مثلها ولا هي مثله معنى ومبنى؛
قال السائل [[ مصدقاً ]]: فالله سبحانه وتعالى فوق أن يدركه الواحد منا! فقال شمس الزمان رضي الله عنه: ممتاز، حمداً لله تعالى على هدايتك، لكن قبل طي الصفحة: أريد تعريفك بحقيقة تُعِين على الثبات: أنت الآن تثبت الحقّ، بينما منذ لحظات قلت " ممكن ندرك جزءاً .. "! فأثبتّ أمراً معاكساً لقولك! أي: قولك هذا مناقض للذي قبله. ولكي تأمن الفتنة والانزلاق إلى البداية ( أعني: إلى النكران الذي انغمست فيه ابتداءً ): اعلم أن النفس لا تُسلّم لشيء من الغيب إلا بقيام الحجة عليها في النهاية ( أعني: نهاية البحث معها فيما دعاها للنكران مما أشكل عليها من الشبهات )، فلا ينبغي أن تأمن لنفسك إذ وافقتك في الوقت على الهداية، لا تنزه نفسك عن إمكان الخطأ والغواية؛ فإن النفس المحجوبةَ عن التحقق والدراية، يمكن تقلبها وانخداعها فتنحرف إلى الضلال وتأمر بالسوء والجناية، ولها في ذلك طرق وأساليب بعدد البرايا. وإن علم النفس المحجوبة قاصر على المُدركات، فمن دأبها: ألا تُسَلِّم إلا للمحسوس فتنكر كل معنى غاب عنها سواء من جهة الحس أو من جهة ما أيدها الله تعالى به من "المخيلة" لاستيعاب الأمور الغائبة الممكنة _ على التحقيق؛ إذ النفس تظنه مطلقاً _، والتي تمثل الجسر بين الممكن الحاضر والغائب، فما غاب عنها: تحاول دائماً تخيله لتنزله منزلة المحسوس وتسلم له، وإلا فإنها تنكره. وفي هذه المسألة: تطلب النفس حقيقة الرؤية من طريق الإدراك الحسي، فنقول لها: لا يمكنك ذلك. فتطلب تقريب إدراكها من طريق الخيال، فنقول لها: الخيال مبني على الحس فلا يستقيم لك الطلب. وهذا خارج عن حدود علمها وآليّة تسليمها، فتظن أنه لا وجود له؛ كما هو حال ما يوصف بذلك من هذا العالم _ وذلك على التحقيق: إقرار منها بالعجز عن الإدراك، وقد نبهنا: أنه الحق _، فتبني على مداركها وتقول لصاحبها: إن كنا لا نراه على صورة ولا على كيف .. الخ، ولا يمكن تخيله، فإنه ليس موجوداً!! وجوابها ببساطة: أن نقول لها: هذا بالنسبة لعلمك وخبرتك في المخلوقات، أما بالنسبة للخالق عز وجل: فيستحيل عليه كل هذه المعاني التي عندك، وكذلك ما ابتنى عليها من الخيال، وإلا كان مخلوقاً مثلها، فلا يجوز أن يكون له لون أو صورة أو شيء من معاني المخلوقات، ولا شيء، ولا أي شيء.
وإن ما يوصلك إلى العدم في المخلوق:
فإن حقيقته في الخالق " انعدام معاني المخلوقات عنه "، وبالتالي: الحكم بالعجز عن
إدراكه، وهو قول الله تعالى:
ولا يخفى _ أيضاً _: أن إبليس يستغل أحوال النفس والشبهات التي تعتريها لتشويه عقائد الناس وتضييعهم! ومن ذلك: تصرفه مع الناس الأوائل، مع ذرّيّة الصالحين من قوم سيدنا نوح عليه السلام: إذ لما مات الصالحون منهم، عمل الصالحون من تلاميذهم تماثيل لهم لتذكرهم بهم وتقوي رابطتهم فيهم عند توسلهم بهم إلى الله عز وجل _ فيقطع طمع إبليس بالتلبيس في الربط التصوري _، إلا أن الملعون صبر على طمَعه في إغوائهم! فلما ماتوا جاء للذين من بعدهم وقال لهم: إن آباءكم كانوا يعبدون هذه الأصنام! وأوقعهم في الشرك بالله تعالى!! فإبليس يستغل أحوال النفس وما اشتبه عليها ليمرر أموراً فظيعة من عنده تناقض المعتقد الصحيح والعقل السليم. وفي هذا القدر كفاية لمن طلب الهداية، والحمد لله تعالى رب البرايا. ثم قال السائل: فهل تجوز رؤية الله تعالى في الدنيا؟ فأجاب رضي الله عنه: لم يمنع الشرع منها، وسألها سيدنا موسى عليه السلام، وحصلت للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم _ وهو ما يجعل الأخبار الواردة في حصول الرؤية في الآخرة على العامة أو على خلا من أكرمه الله تعالى بها في الدنيا، ومن ثم أثبتها العارفون _، وثبت عن بعضهم رؤيتهم لله تبارك وتعالى. فهي جائزة وواقعة، لكن المقصود: أنها تحصل للرائي حال كونه في الحياة الدنيا، لا في الدار الدنيا. وقد ثبت أن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها أنكرت هذه الرؤية بناءً على آية العجز، وكذلك بعض المبتدعة أنكروا الرؤية في الدنيا والآخرة بناء عليها _ وما توهموه من جهة العقل طبعاً _!! ونحن وجدنا: أن الرؤية قد ثبتت في أحاديث صحيحة، ووجدنا أن توجيه كلام السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها صحيح لكن وفق ضابط التنزيه الذي يضع الحد الوسط: فنقول: نعم! لا تدركه الأبصار، فتكون الرؤية بغير إدراك، على معنى العجز الذي لا نستطيع جمعَه وقرآنَه؛ لأنه معنى مناف لأي معنى من الرؤية الحاصلة بين المخلوق لمخلوق فيما بين المخلوقات جميعاً: لا تكون على صورة، ولا في مكان أو جهة .. الخ ).
ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين مزدوجتين باللون الأزرق [[ -- ]]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف.
|