|
ردّ على من زعم أن الجيلاني ينفي عصمة الأولياء الفخام ادَّعى بعضهم:" أن الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس سره أنكر عصمة الأولياء الفخام! لقوله في كتاب الغنية " ولا يعتقد [المريد] فيه [أي شيخه] العصمة "! "اهـ! وقد سألت مولانا شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي قدس سره مشافهة عن ذلك؟ فأجابني حفظه الله: اعلم أن مطالعة الخطاب تختلف نتيجتها باختلاف المطالِع لها حالاً وأهلية: فأما الحال: فيرجع إلى كونه منصفاً أو مخاصماً: فالأول يكون محققاً والآخر يكون مُفكِّكاً، فينظر الأول في كافة خطاب المطلوب ويرجعه بعضه إلى بعض لإدراك مقاصده. وينظر الثاني في طرف أو لفظة منه لنصرة مخاصمته! وأما الأهلية: فترجع إلى كونه عالماً أو مُتَعَالِماً: فالأول يهتدي إلى المقصود مع الإنصاف بالتوفيق، أو يضل عنه مع الخصومة ويخرج بنتاج رقيق خال عن التحقيق وقصي عن التوفيق. والمتعالِم لا يعتبر سعيه علماً وإن وافق العلم، والعادة فيه أن ينتهي من حيث ابتدأ إلى موافقة النفس، فلا يرى من الخطاب إلا ما تريه ولا يهتدي إلا إلى هوى تشتهيه! احفظ هذا التوجيه جيداً، ثم اعلم أن مشايخ الصوفية رضي الله تعالى عنهم لا يؤدبون المريدين على اعتقاد العصمة في مشايخهم؛ لأنها لا تحصل لعامتهم، ولكنهم لا ينكروا أن المعصوم من عصمه الله تعالى، فيجوزون العصمة ويثبتونها للفخام قدس الله تعالى أسرارهم البهية وأنوارهم العلية. فما أراد الشيخ الجيلاني رضي الله عنه الكلَّ بالكلام المذكور، وإنما كان يوجه المريد إلى ما يجب فعله إن كان شيخه من عامة الأولياء المرشدين الذين لم يمن الله تعالى عليهم بالعصمة الكلية. ولعلك تطالع كتاب الغنية وهو كاف لفهم المسألة وإدراك أدلة جوابي هذا بعون الله تعالى وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين "انتهى ثم إني طالعت كتاب " الغنية " طاعة لسيدي الشيخ الفاضل حفظه الله، فنالني من بركته أن خرجت بنتيجة عرضتها عليه قدس سره فارتضاها، ونصها: بحـــــث حول كلمة نفي العصمة المنقولة عن الشيخ عبد القادر الجيلاني بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس سره:" ولا يعتقد [ المريد ] فيه [ أي شيخه ] العصمة "انتهى، ففهم البعض من هذه الكلمة أنه يقول بعدم عصمة أحد من المشايخ الأولياء رضي الله عنهم. قال شيخنا شمس الزمان طارق بن محمد السعدي حفظه الله:" اعلم .. " إلى آخر الكلام أعلاه. فلما طالعت كتاب " الغنية " أفاض الله علي ببركة سيدي الشيخ الفاضل طارق السعدي حفظه الله، ما يلي: أولاً: ذكر الشيخ الجيلاني رحمه الله هذه الكلمة في فصل آداب المريد مع شيخه، وهو ما يؤكد قول شيخنا الفاضل حفظه الله أنها في توجيه المريدين الذي يراعى فيه الحال العام للمشايخ الكرام. ثانياً: الظاهر من سياق الكلام لا يفهم منه أن المشايخ لا يعصمون، لأنه عن شيخ معين حدث منه ذنب، وهذا هو النص:" وإذا ظهر له من الشيخ ما يكره في الشرع استخير عن ذلك بضرب المثل والإشارة، ولا يصرح به لئلا ينفر به عليه. وإن رأى فيه عيباً من العيوب ستره عليه، ويعود بالتهمة على نفسه، ويتأول للشيخ في الشرع، فإن لم يجد له عذراً في الشرع استغفر للشيخ ودعا له بالتوفيق والعلم والتيقظ والعصمة والحمية، ولا يعتقد فيه العصمة، ولا يخبر أحداً به، وإذا رجع إليه يوما آخر أو ساعة أخرى يعتقد أن ذلك قد زال، وأن الشيخ قد نقل إلى ما هو أعلى رتبة ولم يقر عليه، وإنما كان ذلك غفلة وحدثاً وفصلاً بين الحالين؛ لأن لكل حالين فصلاً ورجوعاً إلى رخص الشرع وإباحته وترك العزيمة والأشد، كالدهليز بين الدارين والمنزلة بين المنزلتين، انتهاء للحالة الأولى وقياماً على عتبة الحالة الثانية، وانتقالاً من ولاية إلى أخرى، وخلع خلعة ولاية ولبس خلعة ولاية أخرى، التي هي الأعلى والأشرف، لأنهم كل يوم في مزيد قرب من الله عز وجل "انتهى. ثالثاً: قال الشيخ عبد القادر بالعصمة في أماكن، منها: قال رحمه الله في وصف خواص الأولياء الذين عبر عنهم شيخنا الفاضل بالأولياء الفخام رضي الله عنهم:" فهؤلاء أبداً في مراقبة بواطنهم، والله تعالى يتولى تربية ظواهرهم؛ كما قال عز وجل في كتابه العزيز: { إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين }[الأعراف:196]، تولاهم وكفاهم، وأشغل قلوبهم بمطالعة أسرار الغيوب، ونورها بالتحلي في كل قريب، فاصطفاهم لمحادثته، واختصهم بالأنس به والسكون إليه والطمأنينة لديه "انتهى، وهذا يعني عصمتهم. قال رحمه الله في التوبة:" والتوبة: فرض عين في حق كل شخص، لا يتصور أن يستغني عنها أحد من البشر؛ لأنه لا يخلو أحد من معصية الجوارح، فإن خلا عنها فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب، وإن خلا عن ذلك فلا يخلو من وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرّقة المذهلة عن ذكر الله تعالى، فإن خلا عنها فلا يخلو عن غفلة وتقصير في العلم بالله عز وجل بصفاته وأفعاله. كل ذلك على قدر منازل المؤمنين وأحوالهم ومقاماتهم، فلكل حال طاعات وذنوب وحدود وشروط، فحفظها طاعة، وتركها والغفلة عنها ذنب، فيحتاج إلى توبة، وهو الرجوع عن التعريج الذي وجد إلى سنن الطريق المستقيم الذي شرع له، ومقام أقيم فيه ومنزلة مهدت له. والكل مفتقر إلى التوبة، وإنما يتفاوتون في المقادير: فتوبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلة، وتوبة خاص الخواص من ركون القلب إلى ما سوى الله عز وجل؛ كما قال ذو النون:" توبة العوام من الذنوب، وتوبة الخاص من الغفلة ". وكما قال أبو الحسن النوري:" التوبة: أ، تتوب من كل شيء سوى الله عز وجل "، فشتان بين تائب يتوب من الزلات وتائب يتوب من الغفلات، وتائب يتوب من رؤية الحسنات وتائب يتوب من طمأنينة القلب إلى غير خالق البريات "انتهى، وهذا يعني عصمة البعض عن الذنوب. قال رحمه الله في الورع:" قيل: كان الحارث المحاسبي رحمه الله إذا مدَّ بصره إلى طعام فيه شبهة ضرب على رأس أصبعه عرق، فيعلم أنه غير حلال. وقيل: إن بسراً الحافي رحمه الله كان إذا قدم بين يديه طعام فيه شبهة لا تمتد إليه يده. وقيل: إن أم أبي يزيد البسطامي رحمهما الله كانت إذا مدت يدها إلى طعام فيه شبهة تباعد حال كونها حبلى بأبي يزيد فلم تمد يدها إليه. وكان بعضهم إذا قدم إليه طعام فيه شبهة فاحت منه رائحة منكرة، فعلم من ذلك فامتنع من أكله. وقيل عن بعضهم: أنه كان إذا وضع في فيه لقمة من طعام فيه شبهة لم يمتضغ فتصير كالرمل في فمه. وإنما فعل الله تعالى لهم ذلك تخفيفاً ورحمة وشفقة وحمية لهم، لما صفوا اللقم واجتهدوا في طلب الحلال وترك الحرام والشبهة، حماهم الله تعالى عما يكرهونه من المطاعم، فذب عنهم معرفة ذلك، وكفاهم مؤنة التفتيش والتنقير عن بائع الطعام وكسبه ومعيشته، وعن الثمن الذي اشترى به وأصله وتحصيله من وجه الحلال. فجعل ذلك علامة عندهم في أي وقت رأوها كفوا أيديهم عن تناول الطعام، وإذا لم يروها تناولوه. هذا في حق هؤلاء السادة الكرام الذين سبقت لهم العناية وعمتهم الرعاية "انتهى، وهذا معنى العصمة. قال رحمه الله في التقوى:" وتقوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: لا يتجاوزهم غيب في غيب، فهو من الله وإلى الله، يأمرهم وينهاهم، ويوفقهم ويؤدبهم ويهذبهم ويطيبهم ويطببهم ويكلمهم ويحدثهم ويرشدهم ويهديهم ويعطيهم ويهنيهم ويطلعهم ويبصرهم، لا مجال للعقل في ذلك، فهم في معزل عن البشر، بل عن الملائكة أجمع، إلا فيما يتعلق بالحكم الظاهر والأمر المبين الموضوع للأمة وعوام المؤمنين، فإنهم يشاركون الخلق في ذلك وينفردون عنهم فيما سوى ذلك. وقد يعطى بعض ذلك الكرام من الأبدال والخلص من الأولياء، فتقصر عباراتهم عن ذكر ذلك، فلا تظهر إلى الوجود ولا تدرك بالسمع والحس إلا ما يغلب على اللسان، فتبدر من ذلك كلمة أو كلمات ثم يتداركه الله بالسكينة والتثبيت وإسبال الستر عليه، فيستيقظ لأمره ويحفظ لسانه ويستغفر الله تعالى مما جرى، ويغير العبارة ويحسن اللفظ على وجه يُعقل ويُفهم على ما هو المعهود عند الناس "انتهى، وهذا صريح في العصمة، بل وفي جواز تحلي الأولياء بصفات الأنبياء إلا ما كان من خصائصهم كما بينه شيخنا الفاضل حفظه الله. قال رحمه الله في المريد المُراد:" فتحط عنه أثقال سالكي طريق الله، ويغسل بماء رحمة الله ورأفته ولطفه، فيُبنى له بيت في جوار الله، وتخلع عليه أنواع الخلع: وهي المعرفة بالله والأنس به،و السكون والطمأنينة إليه، وينطق بحكمة الله وأسرار اله بعد الإذن الصريح، بل الخبر من الله عز وجل. ويلقب بألقاب يتميز بها بين أحباب الله تعالى، فيدخل في خواص الله، ويسمى بأسماء لا يعلمها إلا الله، ويطلع على أسرار تخصه فلا يبوح بها عند غير الله عز وجل، فيسمع من الله ويبصر بالله وينطق بالله ويبطش بقوة الله، ويسمى في طاعة الله ويسكن إلى الله وينام مع طاعة الله، وذكر الله في كلاءة الله وحرز الله، فيكون من أمناء الله وشهدائه، وأوتاد أرضه ومنجى عباده وبلاده وأحبابه وأخلائه؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم حاكيا عن الله تعالى: { لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وفؤاده، فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يعقل وبي يبطش } الحديث. فهذا عبد حمل عقله العقل الأكبر، وسكنت حركاته الشهوانية لقبضة الحق عز وجل، فصار قلبه خزانة الله عز وجل. فهذا هو مراد الله تعالى إن أردت أن تعرفه يا عبد الله "انتهى، وهذا تصريح بإثبات العصمة للأولياء رضي الله عنهم. قال رحمه الله في الفرق بين المريد والمراد:" فالمريد طالب والمراد مطلوب، عبادة المريد مجاهدة وعبادة المراد موهبة، المريد موجود والمراد فان، المريد يعمل للعوض والمراد لا يرى العمل بل يرى التوفيق والمنن، المريد يعمل في سلوك السبيل والمراد قائم على مجمع كل سبيل، المريد ينظر بنور الله والمراد ينظر بالله، المريد قائم بأمر الله والمراد قائم بفعل الله، المريد يخالف هواه والمراد يتبرّأ من إرادته ومناه، المريد يتقرّب والمراد يقرب به، والمريد يحمى والمراد يدلل وينعم ويغذى ويشهى، المريد محفوظ والمراد يُحفَظُ به المريد في الترقي، والمراد قد أوصل وبلغ إلى الرب الذي هو المرقى ونال عنده طل طريف ونفيس ولطيف ونقي، فجاز على كل طائع عابد متقرب بار تقي "انتهى، وهذا تصريح بإثبات العصمة للأولياء رضي الله عنهم. قال رحمه الله في وصف الصوفية المتحققين:" جعلهم ربي جواسيس القلوب والأمناء على السرائر والخفيات، وحرسهم من الأعداء في الخلوات والجلوات، لا شيطان مضل ولا هوى متبع يميل بهم إلى الضلالات؛ قال الله عز وجل: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان }[الحجر:42/الإسراء:65]، ولا في نفس أمارة بالسوء، ولا شهوة غالبة متبعة تدعوه إلى اللذات المردية في الدركات المخرجة من أهل السنة والجماعات؛ قال الله عز من قائل: { كذلك لنصرف عنه السوءَ والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين }[يوسف:24] فحرسهم ربي، وقمع رعونات نفوسهم وضراوتها بسلطان الجبروت، فثبتهم في مراتبهم ووفقهم للوفاء بشرطه "انتهى، وهذا تصريح واضح بإثبات العصمة للأولياء المتحققين رضي الله عنهم. وقد مرَّ معي خلال المطالعة كلمات أخرى تشبه الكلمة التي بحثنا عنها، وكل ذلك بإرجاع بعضه إلى بعض ينتهي إلى نفس النتيجة. وبهذا يتم البحث، فالحمد لله الذي يسر لي صحبة عالمٍ بالشريعة والحقيقة، ومرشد صادق علمني وأدبني فأحسن إرشادي، وأتوسل إلى الله به أن يثبتني على صحبته ويديم نفعي ببركته لإكمال أمري وإتمام نعمته علي، ولرحمة المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
وأضيف هنا زيادة قرأتها بعد البحث في كتاب الفتح الرباني للشيخ الجيلاني: قال رحمه الله:" أولياء الله عزَّ وجلَّ متأدبون بين يديه: لا يتحركون حركة ولا يخطون خطوة إلاّ بإذن صريح منه لقلوبهم، لا يأكلون من الأشياء المباحة ولا يلبسون ولا ينكحون ولا يتصرفون في جميع أسبابهم إلا بإذن صريح لقلوبهم. هم قيام مع الحق عزَّ وجلَّ، قيام مع مقلب القلوب والأبصار، لا قرار لهم مع ربهم عزَّ وجلَّ حتى يلقوه بقلوبهم في الدنيا وبأجسادهم في الآخرة "انتهى. قال رحمه الله:" إذا أراد عبداً لأمر هيأه له؛ هذا شيء يتعلق بالمعاني لا بالصور. إذا تمّ لعبدٍ ما ذكرت صحّ زهده في الدنيا والآخرة، وما سوى المولى، تجيئه الصحة، يجيئه القرب، يجيئه الملك والسلطنة، والإمارة تجيئه. تصير ذرّته جبلاً، قطرته بحراً، كوكبه قمراً، قمره شمساً، قليله كثيراً، محوه وجوداً، فناؤه بقاء، تحرّكه ثباتاً. تعلو شجرته وتشمخ إلى العرش وأصلها إلى الثرى، ويظل أغصانها في الدنيا والآخرة ما هذه الأغصان: الحكم والعلم. تصير الدنيا عنده كحلقة الخاتم، لا دنيا تملكه ولا أخرى تقيده. لا يملكه ملك ولا مملوك، ولا يحجبه حاجب، لا يأخذه أحد، لا يكدّره كدر. فإذا تمّ هذا، صلح هذا العبد للوقوف مع الخلق والأخذ بأيديهم وتخليصهم من بحر الدنيا، فإن أراد الحق بالعبد خيراً جعله دليلهم وطبيبهم ومؤدبهم ومدرّبهم وترجمانهم وسانحهم ومنحتهم وسراجهم وشمسهم. فإن أراد منه ذلك كان، وإلا حجبه عنده وغيّبه عن غيره. آحاد أفراد من هذا الجنس يردّهم إلى الخلق مع الحفظ الكليّ والسلامة الكلية، يوفقهم لمصالح الخلق وهدايتهم "انتهى خادم الدار: أبو حسن غفر الله له
ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين باللون الأزرق [ -- ]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف؛ لأن ما نكتبه غالباً ما يكون مقتصاً من مكتوبٍ لمن ننقل عنه.
|