بطلان زعم المكان لله

سئل شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبعد: فضيلة الشيخ طارق بن محمد السعدي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نشكركم على الجهود التي تبذلونها في الرد على الحشوية المجسمة ..

كيف نرد على من يحاول الإيهام بأن الله في السماء، مستنداً إلى الآيات: مثل قوله تعالى: { أأمنتم من في السماء }، وقوله تعالى: { إليه يصعد الكَلِم الطّيب } .. والآيات المشابهة لهذه الآيات؟

جزاكم الله خيراً.

فأجاب شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ذي الحمد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد خير العَبيد، ثم على المُبَشِّرين به وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته إلى يوم المَزيد.

عزيزي .. ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته.

الحمد لله تعالى على سلامتك من فتنة الحشوية، وبدعهم السَّاقطة المخزية.

وبعد: .. أما سؤالك عن زعمهم المكان والجهة لله تعالى من خلال قوله سبحانه: { أأمنتم من في السماء }، { إليه يصعد الكلم الطيب } .. ونحو ذلك، فلا يعدو عن كونه وهماً مبنياً على .. أصولهم الباطلة، وكما يُقال: إذا ظهر السبب بطل العجب.

ولتفصيل الأمر، أقول مستعيناً بالله تعالى استعانة من لا حول له ولا قوة إلا به:

أن الرد عليهم من وجهين:

الوجه الأول: أن المكان الذي توهَّمَه هؤلاء المبتدعة من بعض النصوص، مُعَارَض بأربعة أمور:

أحدها: بـ( نفْسِها )، فبعضها يُتَوَهّم فيه الفوقية على جميع الأشياء كآية الاستواء، وبعضها يُتَوَهّم فيه الحلول في السماء كآية الخسف.

فإن أوَّلوا بعضها على الآخر، فلِمَ يمنعون من تأويل الجميع على موافقة المُحكم الآتي ذِكره بعون الله تعالى؟!!

ثانيها: بـ( نصوص توهم خلافها )، كقول الله تعالى: { وهو معكم أينما كنتم }، { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا } هكذا وبلفظ ( أين ) الذي يتعلق به هؤلاء المبتدعة في حديث الجارية الضعيف، وقوله: { وهو اللهُ في السماوات وفي الأرض }، { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى }، وقول سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد }، { إذا كان أحدُكم يُصلّي فلا يَبْصق قِبَلَ وجهه، فإن الله قِبَلَ وجهه إذا صلى } .. الخ.

فإن أوّلوا هذه النصوص، فليست هي بأولى مما يتعلقون به في التأويل.

وهاهنا ترى من تناقض هؤلاء المبتدعة العجب العُجاب، وتتحقق من اتباعهم لمن يُحِلّون الأمر عاماً ويُحَرّمونه عاماً.

ثالثها: بـ( النصوص المحكمة المبينة استحالة التمكّن على الله تعالى )، كقول الله تعالى: { الله الصمد }، { هو الأول والآخر والظاهر والباطن } .. الخ.

وقوله سبحانه في دفع الوهم المتبادر إلى أذهان الجهال بما يقطع دابر التشبيه: { ليس كمثله شيء }، { لم يكن له كفواً أحد }؛ مبينا تنزهه سبحانه عن صفات الخلق، وإن المكان والزمان وما في معناهما من لوازم وجود الخلق وصفاتهم.

فكيف يستحل جاهل أغر إثبات ذلك لله تعالى بعد هذا البيان الساطع، فضلاً عمن يدّعي الرشد والهداية والعِلم النافع؟!!

وقال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { كان الله ولم يكن شيءٌ غيره }، فمن ذا الذي يُجيز التّغير على الله تعالى إلا عنجهي ملحد؟!!

{ اللهمّ أنت الأوّل فليس قبلك شيءٌ، وأنت الآخر فليس بعدك شيءٌ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيءٌ، وأنت الباطن فليس دونك شيء .. إغننا من الفقر }.

رابعها: ( أن الواجب في الإله: أن يقوم بنفسه )، فلا يفتقر إلى مكانٍ أو شيءٍ من لوازمه كالحلول والاتصال والانفصال والجهة، ولا إلى شيء من معاني الخلق؛ لأن الافتقار إلى شيءٍ من ذلك يدلّ على الحدوث، كأن يفتقر سبحانه إلى المكان _ والعياذ بالله تعالى _! فإنه يلزم منه أن يكون المكان قديماً مثله، أو يكون الله تعالى حادثاً كالمكان!! وكلاهما مستحيل باطل.

الوجه الثاني: أن الألفاظ التي اشتبهت على هؤلاء المبتدعة وبنوا عليها إفكهم، ليست في اللغة التي نزل بها القرآن على معنى واحد، بل تُطلق على معانٍ توافق التنزيه، وتدفع ضرب النصوص بعضها ببعض.

فإن علمت هذا، فاعلم: أن الحق في هذه المسألة مبني على معرفة وجوب مخالفة الله تعالى للحوادث في كافَّة معانيها.

فمن علم ذلك: عرف أن منتهى الأمر العجز عن إدراك وجود الله تعالى؛ لأنه لا يُعرف بالحسّ.

وعليه: فالقول بإثبات وجود الله تعالى منزهاً عن المكان ( فليس متحداً ولا حالا ولا متصلاً ولا منفصلاً بهذا العالم ) لا يزيده إلا اطمئناناً وإيماناً.

خلافاً لهؤلاء المبتدعة الذين لا أدري أنهم ينفرون من هذا القول ولا ينفرون من قولهم بالجهة والمكان وغير ذلك من التشبيه والتجسيم، إلا أن الله تعالى ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة.

خادم الحق

طارق بن محمد السَّعْدِي