|
حدود العالم وتنزيه الله عن المكان والجهة سئل شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها السيد الإمام الجليل، سيف الله الصقيل طارق بن محمد السعدي بن الخليل. سيدي، لقد أبرأ جوابك عن عقيدة المشركين أسقامي، وأذهب ما حدثتني به نفسي الخبيثة في شأنك السامي، وبصرت أني: بحقكم مقصر، جاهل بمقامكم العالي.
وبعد: فإني أرى فيكم آية من آيات الله جل جلاله، ونبوءة من نبوءات الرسول صلى الله عليه وآله، هي: ( دواء الداء )، الذي ذكر في الحديث: { ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء }، وإن هؤلاء المبتدعة [ الحشوية ] داء متجدد، ومرض متعدد؛ فقد وجه لي أحدهم سؤالاً خلال حواري معه في وجود الله بلا مكان ولا جهة أدهشني! بل أراعني ما دل عليه من عمق الجهل عندهم! غير أني لم أجبه خشية أن أخطئ، مولياً الرد لكم؛ لأنكم الماء الذي لا يصح عند وجوده التيمم. وكان سؤاله الغريب: ماذا بعد هذا العالم؟ أو أين يوجد هذا العالم؟ فأرجو من فضيلتكم الرد على هذه الشبهة مأجوراً مشكوراً، والدعاء لنا للسير على خطاكم، وفهم كلامكم وأدائه على وجهه. فأجاب شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ذي الحمد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد خير العَبيد، ثم على المُبَشِّرين به وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته إلى يوم المَزيد. عزيزي .. ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته. وبعد: فاعلم أن السؤالين بمعنى واحد؛ لأن ثبوت شيء بعد هذا العالم هو إثبات لمكان هو فيه! والعقل يستحيل كون العالم في مكان؛ لأنه يُفضي إلى التسلسل. والشارع أثبت الوجود الحسّي الخاضع للزمان والمكان بـ( العالم ). فمن زعم أن شيئاً حسياً في الوجود غير هذا العالم فقد خالف العقل والنقل. فإن قيل: على هذا، يكون الله تعالى داخل العالم؟!! قلنا: هذا لا يلزمنا نحن؛ وقد توقَّفنا عند شاهد العقل ونصِّ النَّقل: والعقل: يشهد باستحالة الحَدِّ والغاية على الله تعالى، فلا يتَّصف سبحانه بمعنى لازم لذلك كالحُلول أو الاتحاد أو الانفصال أو الاتصال أو المكان أو الجهة، بل وجوده كما هو ثابت بدلالة خلقه عليه، فهو منزه عن معاني الخلق بدلالة الخلق على ذلك أيضاً؛ إذ ثبت لزوم الحدثان لكل وصف من أوصاف الخلق، والله تعالى أولٌ بلا ابتداء لا إله إلا هو العليُّ الكبير. فنُثبِت عقلاً: وجود الله تعالى وجوداً منزَّهاً عما يقتضيه وجودُ الحوادِث ويلزم منه، لا تُدركه الأبصار. والنَّقل: لم يَنُصّ على حدٍّ أو غايةٍ لله تعالى. وما ورد من موهمات بعض ذلك عند الحشوية: ورد ما يُوهم ما يُقابله ويتعارض معه عند مخالفيهم في التعيين، ثم عارضا جميعاً المحكمات من النصوص التي شهد العقل بثبوت معانيها، وهي: كلُّ نصٍّ أثبت الوحدانية، ونزَّه الله تعالى عن معاني البَرِيَّة. فائدة: وحمل تلك الموهمات على المحكمات المذكورة لازم؛ لاستحالة الجمع على غير هذا الوجه؛ إذ تأويل أحد الموهمين على مناسبة الآخر هوى لا دليل عليه، بل يصلح هذا التناقض شاهداً على المعنى الظاهر من النصوص المحكمات؛ لكون معناها الظاهر لازم مع عدم وجود الصَّارف، وعدم صلاحية الموهمات _ المُحتملة أصلاً بوضعها اللغوي ما يُثبته _ لتأويله. تنبيه: هذا، وإنما قلت نحو:" عند الحشوية "؛ لكونهم هم من يقيسون الخالق على الخلق، ويفسرون صفاته وما أضافه إلى نفسه على مصطلحات البشر الحقيقية!! فيخرج العاقل ذو اللب والفهم الصحيح الموافق للحق من هذا: بإدراك عجزه عن إدراك حقيقة وجود الله تعالى؛ مصداق شاهد العقل، وقول الله تعالى في كتابه العزيز: { لا تُدركه الأبصارُ }، وقول سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { كان اللهُ ولم يكن شيءٌ غيره }، وإجماع أهل الحق وأولي الألباب على أن الله تعالى كان ولم يكن شيءٌ غيره. ويخرج الحشويُّ ومَن على شاكلته: بالحيرة؛ لأنه أبى إلا أن يتلقى ما أضافه الله تعالى لنفسه من الصفات على معاني الخلق ومعيار النظر في المحسوسات!! وأشنع من ذلك: زعمه أن ما أضافه الله تعالى لنفسه من المجاز صفات له سبحانه! بل ووصفه بمصدر أفعاله! رغم معرفة القاصي والداني: أن الفعل يُنسب إلى المؤثر به لتأثيره كما يُنسب إلى فاعله لفعله: فتقول: بنى الملك قصراً ولست تريد أنه هو الذي فَعَل فِعْل البِناء فيه، بل قد يكون الملك جاهلاً بالعمارة أصلاً، كما لو أنك وصفته بالبناء على معناها الحقيقي لكانت إهانة له وانتقاصاً من قدره. فبارك الله تعالى في المنزِّه، وهدى هؤلاء المتشدقين المتشبعين بما لم يُعطوا من العِلم، وكفَّ شبهاتهم وفتنهم عن الأمَّةِ، آمين يا ربَّ العالمين. خادم الحق طارق بن محمد السَّعْدِي
ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين باللون الأزرق [ -- ]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف؛ لأن ما نكتبه غالباً ما يكون مقتصاً من مكتوبٍ لمن ننقل عنه.
|