|
الفرق بين أنواع التوحيد وتقسيمه سئل شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم حضرة شيخي الفاضل طارق بن محمد السعدي الحسني _ حفظه الله ورعاه _، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته. وبعد: فقد كثر في كتب الوهابية ذكر تقسيمهم للتوحيد، على أنه _ أي: التوحيد _ له أنواع ثلاثة في اعتقادهم، والتي يسمونها بتوحيد الربوبية، توحيد الألوهية، توحيد الأسماء والصفات. والأسئلة التي أود طرحها على حضرتكم هي الآتية: 1/ ما الفرق بين هذه الأنواع الثلاثة للتوحيد عند الوهابية، وبين الأنواع أو الفروع الثلاثة للتوحيد كما هو مذكور في " شرح الطحاوية للعلامة الغنيمي الميداني الحنفي " ومن سار على طريقه من أن للتوحيد ثلاثة أنواع، وهي: توحيد الله في ذاته، توحيد الله في صفاته، توحيد الله في أفعاله؟ 2/ وهل صحيح أن أنواع التوحيد التي ذكرها العلامة الميداني في شرحه للطحاوية كانت عند العلماء المتقدمين، وأن الأنواع التي يذكرها الوهابية كانت عند المتأخرين من علماء المسلمين، كما يدَّعي البعض؟! وبعبارة أخرى: هل صحيح أن الأنواع للتوحيد التي ذكرها الإمام الميداني وغيره من أهل السنة كانت عند المتكلمين، وأن تقسيم الوهابية للتوحيد _ بأنواعه الثلاثة عندهم _ كانت عند المحدثين، كما يزعمون؟ 3/ وهل تقسيم الوهابية للتوحيد يُعتبر تثليثاً مماثلاً من حيث مضمونه أو معناه إلى ما يُعْرَف بثالوث النصارى، والذي قال الله في حقه: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة }. 4/ ما حكم أولئك الناس الذين يأخذون بتقسيم الوهابية للتوحيد، من غير علمهم بأن هذا التقسيم غير صحيح، وهم مع ذلك إن سألتهم عن التوحيد؟ يقولون: بأن الله واحد لا شريك له!! وهؤلاء غالبيتهم من العوام؟ 5/ ما هو تفسيركم لقول الإمام أبي حنيفة رحمه الله في صفة الوحدانية لله تعالى، حيث يقول:" أن الله واحد لا من حيث العدد، ولكن من حيث أنه لا شريك له "؟ وبارك الله بكم، وجزاكم الله خيراً. فأجاب شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ذي الحمد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد خير العَبيد، ثم على المُبَشِّرين به وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته إلى يوم المَزيد. عزيزي ..، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته. وبعد: فإن ( الفَرْق بين الأنواع التي ذكرها أهل الحق في التوحيد، وبين الأقسام التي ابتدعها الحشويَّة ): يظهر لمن عنده أدنى نظر في تمييز ما يتحقق فيه اسم التوحيد؛ إذ: مدار الأنواع عند أهل الحق: على الله تعالى ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً، وهو الذي يصدق عليه اسم " التوحيد ". وأما هؤلاء المبتدعة: فقد أدخلوا على التوحيد ما ليس منه، بما أسموه " توحيد الألوهيَّة "؛ إذ موضوعه معروف في الشرع والاصطلاح، بل والعرف بـ: " الإخلاص "، قال الله تعالى: { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدّين }. ومن جهة أخرى: فإن ما أسموه " توحيد الأسماء والصفات "!! ليس إلا إلحادٌ في الأسماء والصفات؛ إذ حَرَّفوا المُرَادَ بالخطاب فيها، فانتهوا إلى إثبات معاني الخلق للخالق!! فَضَلَّ سَعْيُهم في الحياة الدنيا وهم يَحْسَبُون أنهم يُحْسِنُون صُنْعاً. هذا، وقد تصرَّف هؤلاء في كل قسم من الأقسام الثلاثة، فما فوقها _ على قول بعضهم _، بما يبطل عليهم دعواهم التوحيد فيها: اعتقدوا الكيف في الذات!! والمشابهة في الصفات!! وجعلوا الإيمان والقربة شركاً وكفراً!! فلم يبق لهم من التوحيد إلا اسمه، ومن الإسلام إلا رسمه. وهم: لا أقول ينكرون لازم مذهبهم على ما ذكرت، بل ينكرون الكيف ويُريدون العلمَ بها!! والمشابهة ويُريدون التطابق فيها!! كما يُصرِّحون سيما كبراؤهم. فتبين: أنهم التزموا صريح الباطل، وظنوا أنه ليس وصفهم؛ بالمفارقات التي حشوها!! فلا حول ولا قوَّة إلا بالله تعالى. وأما ( كون الكلام على التوحيد في الذات والصفات والأفعـال عند المتقدمين أو المتكلمين، ومذهب القوم عند المتأخرين أو المُحدّثين ): فكلام لا قيمة له، وليس هو إلا تهويل ساقط. وأنا أقول لك: لما قصرت عقول الناس وضاقت أفهامهم، استراحوا لمذهب القوم؛ إذ هو يُناسب الجهال ويليق بهم، فدرجوا عليه خلفهم! فلا حول ولا قوة إلا بالله تعالى. ولولا الضرورة لمَا رأيتَ عاقلاً راشداً يتابع القوم في أعمالهم؛ لأنه يُدرك قرمطتهم وسفسطة كبرائهم من أول نظرة. وقد ابتُلِيتُ بتحقيق الكثير من مسائلهم، فما ازددتُ إلا يقيناً بذلك. فنسأل الله تعالى هدايتهم إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، آمين. وأما ( كون تقسيم هؤلاء المبتدعة تثليثاً مماثلاً لثالوث النصارى ): فالأولى أن يُقال: يُضاهي؛ لأن المماثلة بعيدة بينهما من حيث الموضوع، خلافاً لمستلزماته، فإنه يلزم من القولين بطلان الإلهيَّة. وخلافاً لاجتماعهما في كون الأقسام الثلاثة عندهما لم يغنوهما من التوحيد شيئاً. ولئن قال الله تعالى في حق النصارى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة }، فقد قال في حق هؤلاء: { وما قَدَروا الله حقَّ قدره .. سبحانه وتعالى عما يُشركون }، وقد عقدت في كتابي " هدي القرآن في صفات الرحمن " باباً خاصاً، تكلمت فيه عن حكم الشرع فيهم .. ولكن، يُستفاد من الآية الكريمة المذكورة: أن القول الباطل في التوحيد، يقتضي كفر قائله، بغض النظر عن حاله. وأما ( حكم المقلدين لهم بذلك التقسيم ): فليس إلا الجهل، ما لم يكن في التفاصيل المُفْضِيَة إلى الكفر والتضليل؛ فقد أدركنا من الناس من يلتزم اصطلاح الأقسام دون البدع التي يُدرجها القوم فيها. وأما ( من تبعهم على بدعهم ): فحكمه حكمهم، وإن اعتبرناه مُضَللاً. وقول ( أن الله تعالى واحد لا شريك له ): لا يُغْني مَن اعتقد ما يُضادّ التوحيد، ويُخرج من الملّة، سيما في زماننا الذي انتشرت فيه بدع العقائد الكفريّة. والعامي: غير معذور بعاميَّته؛ ما عقل، وعَلِمَ انتقاد مذهبه والاعتراض عليه، وإلا فمثله كمثل الذين اتبعوا آباءهم، فقال الله تعالى فيهم: { أوَلَوْ كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون }؟!! وأما قول سيدي الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه:" أن الله تعالى واحـد لا من طريق العدد، ولكن من حيث أنه لا شريك له "اهـ: فالمراد به: أن الله تعالى واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، على ما فصَّلَه أهل الحقِّ في ذلك، وبسطناه في غير موضع من كتبنا وفتاوانا بفضل الله تعالى. وكونه ( لا من طريق العدد ): فلأنّ الوحدة من طريق العدد صفة الجزئي الحقيقي، فتتعارض مع الإلهيَّة. وهذا إن دلَّ: فإنما يدلّ على تنزيه الإمامِ اللهَ سبحانه وتعالى عن الكيف مطلقاً، وهو الذي يليق بإمام جليلٍ مثله _ نفعنا الله تعالى به _. والحمد لله رب العالمين. خادم الحق طارق بن محمد السَّعْدِي
|