أسباب زيغ كثير من الحنابلة

وتوضيح مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه

سئل شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة الشيخ ناصر الحق السيد طارق بن محمد السعدي _ وفقك الله لما يحبه ويرضاه _، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأن يمتعكم بالصحة والعافية وأزف إليك أطيب التحيات الزاكيات.

شيخنا الفاضل، إني أرى _ من خلال إطلاعي المتواضع والمتكررة شخصياً في كتب العلماء ( أهل تفسير القرآن العظيم والحديث والأصول ) _ أن معظمهم من علماء مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، ومنهم على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، ولكن نادراً ما أجد علماء حنابلة من أهل السنة والتنزيه، غير مجسمة!! وأول من رأيت من هؤلاء العلماء: أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله ..

فهل تدلني على .. علماء الحنابلة الذين يميلون لرأي أهل السنة ويردّون على أهل البدعة .. كما فعل الإمام أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله؛ حيث برّء مذهب الإمام أحمد بن حنبل من عقيدة التجسيم والتشبيه التي شين بها لإلصاقها به، كما فعله أبو يعلى والزاغوني وغيرهما ..

وجزاك الله خيراً شيخنا الكريم.

فأجاب شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ذي الحمد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد خير العَبيد، ثم على المُبَشِّرين به وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته إلى يوم المَزيد.

عزيزي .. ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته ..

وبعد: فاعلم أن زيغ جمهور الحنابلة عن الجادة التي بيَّنها الإمام الجليل الفاضل أحمد بن حنبل رضي الله عنه، يرجع سببه: إلى تمسُّك الإمام بالتفويض في نحو مسألة القرآن خاصَّة، من غير الإفصاح عن السبب، مع القول ببدعيَّة التأويل!!

فتلقى هؤلاء المبتدعون الحال على ظاهره، من غير عرض على علته، أو حتى على مذهب الإمام في الصّفات ليُعلم مراده وحقيقة شأنه!!

وزعموا: أنه يُثبِت ظواهر الألفاظ المضافة إلى الله تعالى، يعني: المعاني الموضوعة له ابتداءً في لغة العرب!! بل حرَّفوا ما كان من شأنه لو جُمع مع هذا: إظهار مراد الإمام وعدم الخروج عن الحق في تدبر كلامه!!

فكانت فتنتهم من ثلاث جهات:

الأولى: من جهة تبرئة الإمام من الجهل واللغو؛ إذ لما علموا: أن ليس في الخطاب الشرعي ما يُعْجَزُ عن فهم المُراد به، لأن الله تعالى أخبر أنه أنزله بلسان عربي مبين، وأيضاً لا يصحّ مخاطبته الناس بما لا يفهمون مراده به.

الثانية: من جهة عدم تفريقهم بين ( فهم المُراد ) و( إدراك المُراد )؛ إذ لما صحّ أن لا يُخاطب الشارع الناس بما لا يفهمونه، ظنّ هؤلاء: أن فهم الخطاب لا يكون إلا بإدراك المُراد به!! وهذا ما ألزمهم سوء فهم الإمام.

الثالثة: من جهة حصرهم الحق بالإمام، وتقليدهم الأعمى له، وإن زعموا خلافه. فأفضى بهم لِمَا ادعوا أنه مذهب الإمام من سوء فهمهم، إلى ما وصلوا إليه.

ولو أنهم طلبوا الحق من مصدره مجرّدين عن التعصب والتقليد، لعلموا أن الحق خلاف ما زعموا، ولاستطاعوا فهم مراد الإمام.

وكذا، لو أنهم تدبَّروا الأمر، لعلموا: صِحَّة الخطاب بما يُفهم دون ما يُدرك، سيما وبُرهانه ساطع في كتاب الله تعالى بقوله: { لا تُدركه الأبصار } أي: ليس هو على معنى من معاني الخلق المبنية عليها أبصارُهم العاجزة عن إدراك ما فوقها، فيعلمون حقيقته. وأنّ ما يُضاف إلى الله تعالى: من ذلك،؛ لِوجوب مخالفته الحوادث، كما بيَّن في مُحْكَمات الخِطاب.

وبالتالي: فإن ( التأويل ) بصرف معاني المحدثات عن الله تعالى واجب، يتنزَّه الإمام أحمد عن عدم فهمه، بل لقد ثبت عنه فهمه والقول به: فأول ( وجاء ربك ) و( وهو معكم ) ..

ومن ثم، وجب الجمع بين أقواله لمعرفة مراده بما أطلقه ويحتمل ما ذهب إليه هؤلاء المبتدعة لغةً.

ولو نظرنا في مذهبه، لعلمنا أنه مؤول تأويلا إجمالياً في معظم المسائل، وتعيينا في بعضها، وليس يثبت عنه شيءٌ من القول بالظاهر، وبالتالي: امتنع حمل كلامه على غير الصَّرف عن الظاهر.

ولو نظرنا في زمانه، لعلمنا أن العلّة في الإبهام:

( سد الذريعة ) أمام أعداء الأمة، الذين قد يستغلون فتح باب التأويل المعيَّن أمام العامة، فيصيرون إلى التحريف والتعطيل باسمه.

أو ( سد باب الجدل )؛ لكون خصومه كانوا من المبتدعة كما لا يخفى، أو ممن انجرفوا في الباب ولم يرد الانجراف معهم.

وأما وصفه التأويل المعين بـ( البدعة )؛ فليس من مذهبه ما ابتدعه المتأخرون من كون كل بدعة ضلالة بغض النظر عن مستندها الشرعي، بل إن تأويله المعين في بعض المسائل، وتصحيحه بعض المحدثات الفرعية يدل على ما ضبطه شيخه السيد الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنهما بقوله:" المُحْدثات من الأمور ضربان:

أحدُهما: ما أحْدِث ممّا يُخالف كتاباً أو سُنّةً أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البِدعة الضّلالة.

والثّاني: ما أحْدِثَ منَ الخَير لا خلاف فيه لواحد من المَذْكُوْرَات، فهذه مُحدثَةٌ غير مذمومة "اهـ[أخرجه البيهقيّ في مناقب الإمام رضي الله عنه].

وبالتالي، ردّ العبارة إلى مذهبه، يقتضي أنه أراد: أن ذلك غير مأثور عن السابقين، لا أنه بدعة محرّمة.

علماً بأن التأويل المعيّن قد ثبت عن سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبعض أصحابه من بعده، والتابعين، ولكن لكون الشارع لم يفرضه في محل الخلاف، كان الاشتغال به مندوباً؛ لما فيه من زيادة العلم.

ولكن لأن أعداء الأمة قد تستغل فتح بابه على العامة للإفساد، وكان حفظ الشريعة وأمن الناس من الفتنة فرض، قدم ما يحفظ الفرض على المندوب، ففوض عملا بقاعدة: ( درء المفاسد أولى من جلب المصالح )، والله تعالى أعلم.

فإن علمت هذا، فاعلم أنه يكفيك:

أن الأدلة الشرعية على مذهب أهل الحق المنزهين للحق عن معاني الخلق.

وأن العبارات الصريحة في التجسيم أو الملزمة به، لم ترد عن إمام المذهب، ما يزيد في صحيفة المنتسبين إليه كهؤلاء المبتدعة: جريمة الإفك، والتشبّع بما لم يُعطوا من شرف اتباعه والسير على نهجه.

بل كان قوله: ( كيف أقول ما لم يَقُل؟ )، ( كما أراد )، بل نقل البيهقي في مناقبه:" أنكر أحمد على من قال بالجسم، وقال: إنّ الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف، والله تعالى خارج عن ذلك كله، فلم يَجُز أن يُسمّى جسماً لخروجه عن معنى الجسميّة، ولم يجئ في الشريعة ذلك، فبطل "اهـ

وأن الإمام الحافظ أبا الفرج بن الجوزي نقَّح هذا الأمر وحقّقه، وردَّ كيد هؤلاء المبتدعة وضلالهم في نحورهم.

وأن كبار أصحاب الإمام أحمد وأتباعه _ كإبراهيم الحربي، وأبي داود، والأثرم، وأبي الحسين المنادي، وأبي الحسن التميمي، وأبي محمد رزق الله بن عبد الوهاب، وأبي الخطاب الكلواذاني، وأبي الوفاء بن عقيل .. الخ فحول الحنابلة الفضلاء، الذين ننصح بقراءة كتبهم _، على التوحيد الحق، دون الشِّرك الذي أسماه الحشوية والمشبهة والمجسمة توحيداً!!

علماً: بأن العقيدة واحدة عند أهل الحق على اختلاف مذاهبهم في الفروع، فلا يضيرك أن يكون من تستند إليه شافعياً أو حنفياً أو مالكياً، طالما أنك تطلب الرجال بالحق ولا تطلب الحق بالرجال.

فلا تُشغل نفسك بطلب ما كتبه فضلاءُ الحنابلة، طالما أنه موافق لما قاله غيرهم من أهل الحق ..

خادم الحق

طارق بن محمد السَّعْدِي

 


ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين باللون الأزرق [ -- ]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف؛ لأن ما نكتبه غالباً ما يكون مقتصاً من مكتوبٍ لمن ننقل عنه.