شرح آية مخالفة الحوادث

{ ليس كمثله شيء }

قال شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله:

قال الله تعالى: { ليس كمثله شيءٌ }.

ظاهر هذه الآية الكريمة يدلّ على مخالفة الله تعالى بذاته وصفاته للخَلْق.

والكلام عليها من وجوه:

الوجه الأول: أن هذا النصّ { ليس كمثله شيء }: خبر لمبتدأ متقدم هو: { ذلكم الله } على أن لفظ الجلالة " الله " بدل من " ذلكم "، فالكلام عن الله جل جلاله.

الوجه الثاني: أن قوله عز وجل: { ليس كمثله شيء }: معناه: ليس كالله تعالى شيءٌ مُمَثَّل، وبعبارة أخرى: ليس شيء مماثل الله تعالى؛ باعتبار أن " الكـاف " في " كمثله ": زائـدة لتأكيد نفي المثـل، والعَربُ تقول " مثلك لا يفعل كـذا " ويريدون " أنت لا تفعله "، ومن ذلك قول الله تعالى: { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به } أي: بالذي آمنتم به، يؤكده حرف سيدنا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: { فإن آمنوا بما آمنتم به }.

ويجوز أن يكون معنـاه: ليس كحقيقة الله تعالى شـيء من الحقائق؛ باعتبـار أن " الكاف " باقية، و " المثل " بمعنى الحقيقة.

الوجه الثالث: أن لفظ " ليس " للنفي، ولفظَ " مثل " عامّ يتناول كل وجوه المُماثلة، وكذلك لفظ " شيء " عامّ يتناول كل الأشياء، فتكون جملة " ليس كمثله شيءٌ ": عامّة في جميع الأمثال والأشياء لا تحتمل التخصيص، ونصّاً على نفي كون أي شيء من الوجود مماثل الله تعالى بوجه من الوجوه لا يقبل التأويل، فهو نصٌّ قطعي في هذا الباب.

وهاهنا اعتراض من المبتدعة: مصدره سفسطتهم في المعقول وقرمطتهم في المنقول يزعمون به التخصيص:

فأما ما هو من جهة العقل: فباطل بالعقل المؤيَّد بالنقل كما بيَّنَ أهل الحقِّ ( أهل السنة والجماعة حقاً ) في بابه، وليس هنا موضع تفصيله.

وأما الذي من جهة النَّقـل: فإنهم لم يرجعوا فيه إلى نصِّ قطعي، وإنما تعلقوا بألفاظٍ وجُمَلٍ محتملة لمذهبهم الفاسد من وجه بينما توافق النصَّ على ما ذكرناه من وجوه! وقد ثبت في الأصول أنه " إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال "، فالاستدلال بذلك باطل، بيانه:

من جهة: أن تلك الألفاظ تحتمل معان وما ذهبوا إليه واحد منها، فهي ظنيَّة لا تقوم لهم حجَّة بها، كيف! والحجة لا تكون إلا بدليل قطعي؟ وكيف تُحمل على ما ذهبوا إليه وغيره من المعاني لها دلائل تُرجِّحها عليه؟ كيف يكون الظنّيّ المرجوحُ دليلاً يُعْمل به ويُترك الرّاجح؟! وكيف يسوغ أن يُجزم به مع مخالفته نصّ { ليس كمثله شيء } ومعارضته له؟!

ومن جهة أخرى: فإن هؤلاء المبتدعة قد تأولوا بعض تلك الألفاظ والجُمل كما تأولها الكافّة من غير دليل على هذا التفريق! فدللوا على عدم استقرار قاعدتهم؛ إذ لزمهم أن يتأولوا الكلّ كما فعل الكافّة، أو يحملوا الكلَّ على قاعدتهم فينتهي بهم الأمرَ إلى السقوط مرَّة واحدة لكون بعضه مُحالٌ اتفاقاً _ وإن كانت قاعدتهم تنافي الجلال والكمال وتفضي إلى المُحال بالنَّظر للحق _، ومنه: قول الله تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه }، فإن هم وقفوا على ظاهره فقد زعموا المحالَ؛ لأن الذات الجليلة بالإجماع لا تفنى ولا تتجدد، وإن هم تأولوه لزمهم نقض مذهبهم، والرجوع إلى التأويل الذي يليق بالله تعالى.

ومذهبهم الفاسد: يعتمد " المعنى الظاهر الحقيقي للفظ " وهو " الاستقرار " في الاستواء، و " العضو الجارح " في نحو الوجه واليد، وهكذا! فحملوا معاني الألفاظ على حقيقتها! بينما لسان العربية الذي جاء به الخطابُ يقتضي الحقيقة والمجاز، وتجاهلوا القرائن بينما هي التي تحدِّد المعنى المقصود أو تصرف عن ضِدِّه! ولا شك بفساد مذهب جعل تلك الألفاظ حقيقية لا تقتضي المجاز من غير دليلٍ على هذا التّخصيص، فضلاً عن أن الأدلة على خلافه.

ومن جهة أخرى: أن العرب إذا أرادوا ذات اللفظ ( أي: ظاهره الحقيقي ) خصّصوا الحقيقة بقولهم " نفسه " في نحو " جاء زيد نفسه "، مؤكدين بالمصدر لرفع الاحتمالات الأخرى، ليثبتوا بذلك الحقيقة حقاً. ومن ثم قال تعالى: { وكلّم الله موسى تكليماً } فأكّده بالمصدر رفعاً للمجاز، فلو أكّده بالمصدر فيما تعلقوا به لكان الأمر ما ذهبوا إليه، ولكن لما أن ترك الألفاظ على عمومها ولم يؤكدها بالمصدر لم يصح ادعاء الظاهر، ولما أن حفَّها بقرائن تنفي الحقيقة دلَّ على أنه لم يُرد الحقيقة وإنما المجاز.

وهاهنا سؤال عن الحكمة من الخطاب بهذه الألفاظ والجُمل التي أشكل على المبتدعة والجهال فهمها؟

والجواب عليه: أنها التمثيل لمن له عقل؛ إذ " الحادِثَ لا يَعْرِفُ إلا حادثاً " كما قال الله تعالى: { لا تُدركه الأبصار }، والمطلوب " الإيمان بالله تعالى لا إدراكه " كما قال الله تعالى: { فاعلم أنه لا إله إلا الله }، فضُرِب له مثل بما يتوصل الفهمُ إليه حتى يحصل له معرفةٌ بالمقصود.

وأنها من بلاغة العربيَّة التي جاء الخطاب بها، ويحصل منها معان زائدة على المُحْكَم على ما بينته في غير هذا الموضع.

الوجه الرابع: أن مَن " ليس كمثله شيءٌ " لا يماثل شيئاً من الحوادث في الحدوث ولوازمه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله:

فليس اللهُ تعالى جوهراً ولا عَرَضاً ولا شيئاً غير ذلك مما خلق عز وجل على ما تقرَّر، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً؛ إذ مع مخالفته ومعارضته للنصِّ نقلاً فإنه يُنافي الألوهيَّة عقلاً؛ لأن مَن ماثل الحوادث في شيء كان حادثاً.

الوجه الخامس: أن الحَقَّ _ في ظلِّ عموم النصِّ وما يدلّ عليه من مخالفة الحوادث ويقتضيه من التنزيه _:

تأويل الألفاظ والجمل المحتملة للحقِّ وضِدِّه _ ( وتُسمى: المتشابه؛ لأن فيها الحق وتُشبه الباطل من حيث احتمالها للمعاني الباطلة ) _ بما يوافقه، وهو نوعان:

مجمل ومُفَصَّل:

فالتأويل المُجمل: يسمى التفويض، وهو: فقه الخِطاب، أي معرفة الأصل الثابت في الخطاب وردّ الفرع إليه إجمالاً عند عدم التكليف بمعرفته بعينه.

فيعتقد المُفَوّضة مخالفة الله تعالى للحوادث _ على الصّفة التي ذكرنا _ ويثبتون تلك الألفاظ والجمل كما وردت على وِفقِ المخالفة ( أي: أنه لا يراد بها وجهاً من المماثلة ) من غير التعرض لمعناها ( أي: مجرَّدة عن المعاني )، فيقال:" نُثبت قول الله تعالى في الاستواء كما وَرَدَ منزّهاً عن معاني المُماثلة ولا نتعرّض لمعناه ".

والتأويل المُفَصَّل: يسمى التأويل، وهو: فقه النَّصِّ، أي معرفة الفرع تفصيلاً من خلال عرضه على القرائن وفقاً للأصل الثابت في الخطاب.

فيعتقد المؤولة مخالفة الله تعالى للحوادث ( على الصّفة التي ذكرنا ) ويثبتون تلك الألفاظ والجمل خطاباً على وِفقِ المخالفة مع النظر في القرائن المحتفة لمعرفة المُراد به، فيقال: " نُثبت قول الله تعالى في الاستواء منزّهاً عن معاني المُماثلة ونعيّن له معنى بحسب ما تقتضيه القرائن من السّمُوّ والرِّفعة والعَمْدِ والإتمامِ والقَهرِ وغيرها مما يعنيه اللفظ أو الجملة لغةً ".

فخرج بذلك حمل تلك النصوص على التأويل الظاهر ( وهو المعنى الخلقي الظاهر في اللفظ ) والتأويل التحريفي ( وهو المعنى المرجوح في اللفظ ) والتأويل التعطيلي ( وهو المعنى المخالف للفظ )؛ لمخالفته للنصِّ فضلاً عن معارضته للتوحيد على ما تقرَّر.

الوجه السادس: أنه لا تعارض بين ثبوت المخالفة للحوادث على ما تقدم، وثبوت ما يوهم ذلك في الخطاب؛ لأن الجمع ممكن من جهة المعنى: بحمل الأخير على معناه الموافق للأول تأويلاً أو تفويضاً، وممكن من جهة الوضع بحيث أنه:

إما موافقة في اللفظ لا الحقيقة كالذّات والكلام والخلق، فيُقال:" ليس كذاته ذات " و " ليس كصفاته صفات " و " ليس كفعله فعل " إلا من جهة موافقة اللفظ.

وإما تمثيل للعُقلاء أو استعمال لبلاغة اللغة العربيَّة _ وقد تقدّم كلام على ذلك _.

الوجه السابع: أن " اعتقاد المماثلة " سقوط في الشِّرك وافتراق عن الحقِّ وأهله:

أما الشِّرك: فلأن حقيقته: اعتقاد المماثلة في الذات أو الصِّفات أو الأفعال كما تقرَّر، ولا يصح التوحيد حتى يصح الإيمان بالله تعالى على مقتضى ما أخبر به عن نفسه بقوله: { ليس كمثله شيء } وهو ما ذكرناه، فمن خالف مقتضاه لم يصح منه التوحيد وإن ادَّعاه؛ لأن مَن لا يعرف معبودَه لا يصحّ له الإيمان به، وبالتالي لا تغني عنه عباداته شيئاً ولا تحقّق له نفعاً، وقد قال الله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء }.

وأما الافتراق: فعن الحق بالتحريف والتعطيل والشِّرك كما علمت، وعن أهله بمخالفتهم في المحكمات الأصوليَّة، وذلك يجسِّد حقيقة ما ورد في الخبر أن سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قال: { ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة: ما أنا عليه وأصحابي }، فمن حاد عن الحقِّ إلى وجه من الشِّرْك الحقيقي فارق الحقَّ وبان عن أهله بما يترتب عليه الخلود في النار _ والعياذ بالله تعالى _، وقد سمَّى سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعض هؤلاء " مجوس الأمَّة " وقال: { تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم؛ يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرّميّة }!

فبالوقوف على حدود الأصول تميَّز " أهلُ الحقِّ " الأخيار، وبانتهاك تلك الحُدود نشأت فِرَقُ النار، ومن بينها ضربان ابتلينا بهما في زماننا يزعمان " موافقة حقيقة الحَقِّ لحقيقة الخَلْق في شيء دون شيء "! ويرجعان إلى مسميين هما: التجسيم والحَشْو.

فالمجسِّمة على أنواعهم: يزعمون مماثلة عين بعض الأشياء ( جواهر وأعراضاً وغيرها ) لله عز وجل، وتعلّقوا في ذلك بما ورد في الخطاب كالاستواء والإتيان والنزول واليد والوجه وغيرها، فيقولون " أن الاستواء استقرار كاستقرار البشر وكذلك في النزول واليد والوجه وغيرها!

والحشويَّة على أنواعهم: كالمجسِّمة غير أنهم يزعمون مماثلة أصل تلك الأشياء لله عز وجل، فيقولون " أن الاستواء حقيقي ولكنه ليس كما يستوي الخلق "، وهكذا في غيره! وإذا قالوا " بلا كيف ": لا يريدون التنزيه عن الكيفيَّة، وإنما يعنون: بلا كيف معلوم عندهم! وهذا جميعاً نقض واضح للتوحيد وخرق فاضح للتقديس والتمجيد، فتعالى الله جل جلاله عما يقولون علواً كبيراً.