|
نزاهة الباري عز وجل عن المكان والجهة وسائر معاني البريَّة سئل شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ الإمام طارق بن محمد السعدي حفظه الله في مجلسٍ عامّ: عن نسبة المكان لله تعالى؟! فأجاب رضي الله عنه: بعض الناس إذا قيل لأحدهم:"أن الله عز وجل ليس له مكان"، قال: ليس في السماء؟ نقول: ليس في السماء، فيقول: ولا في الأرض؟ نقول: ولا في الأرض، فيقول: إذاً هو غير موجود!! سبحان الله!! مثل "الإنسان": نقول: إما أن يكون داخل الغرفة أو خارجها وإلا فليس موجوداً، هذا الإنسان؛ له مكان، فلو قلنا: محمد ليس معنا في المكتب، ولا في أي موضع في العالم، يكون محمد غير موجود؛ لأن محمد مخلوق متحيز، لا بد أن يكون له مكان يوجد فيه.
لكن بالنسبة للباري عز وجل،
الذي كان ولم يكن شيءٌ غيرَه ولا مَعَه، وهو الذي خلق العالم، و
لأن "الكينونة في مكان": معنى من معاني المخلوقات التي لا تجوز في حق الباري عز وجل؛ لآيات التوحيد والتنزيه نقلاً. وكون "الحكم المترتب على معنى من معاني المخلوقات": متعلق بكل من اتصف به، فإن جاز [[ معنى من معانيهم ]] على الباري عز وجل حكم بحدوثه؛ لأنه دليل على الحاجة والتخصيص ( المَفعول )، كما يحكم بحدوث المخلوقات لأجل ذلك. ومن جهة أخرى: أعندما ننزه الباري عز وجل عن المكان يكون غير موجود؟!! أيكون غير موجودٍ وهو الذي خلق المكان؟!! قال السائل: الله سبحانه وتعالى بلا مكان!! هذه ليس فيها حديث ولا آية!! فأجاب رضي الله عنه: بل عليه براهين العقل والنقل؛ فإن هذه العناصر ( كالمكان ) إنما هي معان خَلقيَّة على التحقيق؛ إذ لا تجوز إلا في مَخْصُوْصٍ، وبمُخَصِّص؛ فالمكان _ مثلاً _ حيز لشيء محدودٍ يَفْتَقِر إليه، والمَحْدود مخصَّص بالحدِّ المُقَدَّر له، فلا بُد له من خالق خصَّصه وخَصَّص له المكان الذي تحيَّز فيه. وذلك لا يجوز في حقِّ الله تعالى؛ لأنه الإله الواحد الذي لا إله إلا هو، الذي خلق كل شيء فقدَّره تقديراً. فالكينونة في مكان تنفي ألوهية الكائن؛ للزوم لافتقار ووجوب المخصِّص.
والأصل: أنه عز وجل لم يكن في مكان
ولا يحتاج إليه، كما قال الله تعالى:
ومن جهة أخرى: إذا كان الله تعالى في الأزل ولم يكن في مكان، فهو مستغن عن المكان، فكيف يجوز أن يحتاج إلى المكان بعد ذلك؛ فإنه لا يكون في مكان إلا من احتاج إليه، والحاجة منافية للألوهية؟!!
وأصلٌ آخر: أن الله عز وجل مخالف
للحوادث وإلا كان حادثاً مثلها؛ كما قال الله تعالى:
قال السائل: نعم. فأجاب رضي الله عنه: فالخالقُ عز وجل ليس له مكان. وحجة أخرى على مدعي المكان: أن الأدلة التي أولوا معناها تحريفاً إلى دعواهم: مُعارَضة بمثلها مما يمكن تأويل معناه تحريفاً إلى دعاوى أخرى كالحلول والاتحاد!!
فما حُرِّف معناه إلى دعوى الجهة ( نحو
نصوص إضافة الصعود والنزول والكتابة وتصريف الأفعال )، مُعارض بما حُرِّف معناه إلى
دعوى الحلول في نحو قول الله تعالى:
ولا مُرَجِّحَ لدعوى من تلك الدعاوى المبتدَعة على غيرها، ما يعني: بطلان حملها على الحسِّ، ووجوب بقاء الأمر على أصله: وهو أن الله تعالى ليس في مكان، كما لا يجوز عليه سائر معاني المخلوقات. فالذي يدعي المكان لله عز وجل: هو الذي ليس عنده دليل على دعواه، اللهم إلا شبهات سقط اشتباهه بها فيما ذكرته من تعارض! فقال السائل: لماذا قالت السيدة زينب " زوجني الله من فوق سبع سماوات "؟! فأجاب رضي الله عنه: وهل معناه: أن الله عز وجل في مكان فوق سبع سماوات؟!! هل قالت السيدة زينب رضي الله تعالى عنها "زوجني الله الذي مكانه فوق سبع سماوات"؟!! سبحان الله! هذا بهتان عظيم؛ فليس في الخبر إلا أن الله تعالى فعل فِعلاً ( هو تزويجها ) من فوق سبع سماوات، ومعلوم: أن الله عز وجل كتب مقادير الخلق في كتاب وضعه فوق العرش فوق سبع سماوات.
يعني يمكن القول: أن المولى عز وجل جعل
_ لِنَقُل _ المَحكمة العليا موجودة فوق سبع سماوات، فإذا قدَّر شيئاً جعل مصدره
تلك المحكمة، وهو قوله تعالى:
فالذي فوق السماوات السبع حساً: إنما هو الكتاب، كما أن "الأرزاق التي في السماء": إنما هي ما كتب في الكتاب مقداره منها. والسيدة زينب رضي الله تعالى عنها تخبر أنها لم يَعْقِد زواجَها مخلوقٌ، بل عَقَدَه الله تعالى فيما كتبه في اللوح المحفوظ. ثم، لو افترضنا أنها قالت _ أو غيرها _ عبارة صريحة بالمكان، فهل نقبل كلام السيدة زينب _ على سبيل المثال _ ونرد القرآن؟!! الذي ليس كمثله شيء: إذا كان له مكانٌ صار مثلَنا. قال السائل: فما تقول في خبر الجارية التي قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (( أين الله ))؟ فقالت:" في السماء "؟ فأجاب رضي الله عنه: حديث الجارية مردود من الوجهين: المتن والسند: [[ فإن ]] إضافة "قصة الجارية" إلى صحيح مسلم إضافة مدسوسة. وظاهرها على المعنى الحسي: يعارض القرآن، والمتن معارض لروايات أخرى فيها سؤال عن الشهادة وتُعتبر مقدَّمَة على هذا النص؛ لأن بها يعرف الإسلام، وفي روايات الشهادة من هم أوثق ممن هم في روايات الأينية. قال السائل: فما معنى الآية في القرآن { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض }؟! فأجاب رضي الله عنه: أنا أسألك: من هو الذي في السماء الذي يخسف بكم الأرض؟ من قال لك أن الله عز وجل في السماء حساً؟! الوارد: أن الملائكة موجودة في السماء، ومن بينها جبريل الموكل بالخسف. الله عز وجل يرسل الملائكة فتخسف بهم، اقرءوا القرآن! كيف خسف الله الأرض بالناس؟ ألم يرسل عليهم ملائكة تخسف بهم الأرض؟! قال السائل: بلى.
فقال الشيخ الإمام رضي الله عنه: ومن جهة أخرى: قال
إن كلمة "السماء": تعني السماء الدخانية الحسِّيَّة المخلوقة، كما تعني "العلو" و "السمو" في الرُّتبة. فعلى المعنى الأول: تعني المكان لمن أضيفت إليه تمكناً، وعلى المعنى الثاني: تعني الحاكم القادر .. الخ، أي: المتصرف فيكم، القادر عليكم.
فنقول:
كما يجوز أن يكون المعنى:" أأمنتم الله ربكم القادر عليكم لألوهيته أن يرسل عليكم ملائكته من السماء لتخسف بكم الأرض ". هذا هو الحق، لكن بعض المبتدعة يحاولون دائماً تشويه عقول الناس! حتى أنهم ذات مرة أوقفوا ابني طه وكان في السابعة أو الثامنة من عمره، أوقفه شاب من بعض الفرق المبتدعة وهو محسوب على الدعاة عندهم، وقال له: أنت ابن الشيخ طارق؟ فقال طه: نعم! قال له: أبوك الذي يقول " أن الله ليس في السماء "؟! فقال طه: وهل الله في السماء؟!
قال له: الله عز وجل يقول:
قال طه: نحن في مكان فليس لله تعالى مكان، أنت لا تفهم معنى الآية، اذهب إلى والدي حتى يفهمك إياها. ثم تركه ومشي. أحبابي! حين نفهم ضوابط الأمور نحفظ نفوسنا من الشرور والغرور؛ هذا طفل فهم ضابط هذا الأمر: [[ وهو ]] أن كلَّ معنى للمخلوقات مستحيل على الله تعالى، فنفى عن الله عز وجل المكان _ لأنه من معاني المخلوقات _ وهو مرتاح، ولم يفتنه ذلك الشيطان السفاح. قال السائل: هناك آيات فيها ألفاظ نزول وصعود وكذا! فهل له علو أو ماذا؟ فأجاب رضي الله عنه: ليس من علو حقيقي. وعندما أقول "حقيقي" في مثل هذا الموضع: أعني: " الحقيقة الحسيَّة " عند الناس. فالمقصود: ليس من علو حسي ( وهو كون شيء في مكانٍ أعلى من شيءٍ آخر )؛ لأنه يعني: وجود حدود، يعني: يوجد انفصال واتصال، يوجد تحيز، يوجد مكان، وكل هذه المعاني مدركة أم لا؟ موجودة في المخلوقات أم غير موجودة؟ قال السائل: بلى!
فقال الشيخ الإمام رضي الله عنه:
فإثباتها لله عز وجل يعني تعطيل قوله الصريح القطعي الذي لا يحتمل أي
تأويل:
وأنبّه هنا: أن القرائن التي اعتمد عليها المبتدعة لتأويل دلالة هذه النصوص لا تصلح لذلك؛ لكونها ظنية الدلالة، فتحتمل معان موافقة لدلالة هذه النصوص الأصلية كما تحتمل المعنى الذي أولوها به من جهة، ولأن المعنى الذي ذهب إليه بعضهم معارض بمعان أخرى ذهب إليها آخرون منهم _ كما ظهر في المثال الذي ضربته من قبل _، وذلك يدل على سقوط المعاني المخالفة جميعاً، وهو الموافق لأصل " رد المتشابه إلى المحكم ". ثم قال الشيخ الإمام رضي الله عنه: أتعلمون ماذا فعلت السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها؟ قال السائل: ما فعلت؟
فأجاب رضي الله عنه: بناءً على ظاهر قول الله عز وجل
طبعاً عملية التوفيق حصلت _ كما قدمنا _: بأن حصولها ليس عن إدراك، بل يرى عن تحقق الرؤية بلا كيف، كما أنه يرانا هو الآن وليس له كيف.
وليس مقصودنا
التعرض للرؤية في هذا المقام، بل بيان الأصل الإجمالي الذي اعتمدت عليه السيدة
عائشة رضي الله تعالى عنها لنفيها، وهو: استحالة معاني الخلق على الخالق؛ إذ
أنكرت الرؤية لأن الله تعالى منزهٌ عن المدركات كما
بين في كتابه العزيز؛ إذ قوله عز وجل
والصعود والنزول وما في معناهما إلى السماء: لأن الله تبارك وتعالى جعل السماء مقراً للأرزاق وتصريف الأحوال، فيُنزل من السماء، ويُصعد إليها. ويمكن أن يُقال في بعضها: أن المقصود منه التعظيم؛ لأن الإشارة بـ" العلو " من حيث كونه " رتبةً ": هو تعظيم، خلافاً لكونه جهة؛ فقد يكون مَن في الوادي أعظم ممن هو على الجبل. واشتمال بعضها على نحو إضافة "عند الله" أو "إلى الله": فهي إضافة نسبةٍ أو تشريف؛ كما لو كان عندك شركة، واتصل بك أخوك عبر الهاتف قائلاً: أرسلتُ لك فلاناً من عندي لتوظِّفه، وهو ليس آت من عنده، بل يكون هذا الشخص آت إليك من الإمارات وأخوك في الكويت وأنت في لبنان! فقال "من عندي": لأنه من طرفه؛ هو الذي أرسله وتوسط له، فنسبه إليه.
ومنه: قول الله تعالى:
ومنه: قول جَدّي سيدنا إبراهيم عليه
السلام:
وكذلك منه: نحو قول الباري عز وجل:
فعلى هذا النحو يُحمل النزول والصعود وما في معناهما ما لم يقصد السماء حقيقة في نحو ما تقدم بيانه.
ومن جهة أخرى: ورد في نحو " التنزيل "
قول الله عز وجل:
وكذلك نجد أمثلة تنقض سائر ما حرفه
المبتدعةُ من المتشابهات! نحو قول بعضهم: الله عز وجل قال في سيدنا آدم عليه
السلام:
اعلموا! أن الله تعالى قد ابتلى
الناس بالمتشابهات ليميز الخبيث من الطيب؛ فمن ردَّها إلى الله تعالى ورسوله صلى
الله عليه وآله وسلم ( بردِّها إلى المحكمات الضابطة للتوحيد والتنزيه ) تفويضاً أو
تأويلاً: كان مؤمناً سنيّاً، ومن ردَّها إلى نفسه فآمن ببعض وألحَدَ في بعض ( نسبة
لمداركه من المخلوقات التي أجازها على الباري سبحانه وتعالى!! ) تشبيها وتمثيلاً:
كان ملحداً بِدعيّاً، ويصدق في علمائهم قول الله عز وجل:
فهؤلاء قوم يسعون لتحريف كتاب الله عز وجل اتباعاً لأهوائهم؛ فهم لا دليل عندهم على مذهبهم إلا أهواء!!
ما الذي يدعو إلى الاعتقاد بأن الله عز
وجل في السماء
لقوله
سبحانه
إنه ما قام في نفوسهم من هوى، إنه استحواذ إبليس _ لعنه الله تعالى _ عليهم "أن لا يخرجوا عن دائرة المخلوقات"، فتأولوا هذه الآيات على معانيها!!
تماماً كفرعون: عندما جاء سيدنا موسى
عليه السلام
إلى فرعون ودعاه إلى رب العالمين، ماذا قال له فرعون؟ قال: من رب العالمين؟! قال
سيدنا موسى
عليه السلام
يعني بعد كل ما نسبه هؤلاء المجسمة المشبهة الممثلة إلى رب العزة، ما بقي إلا أن يخرج على الناس واحدٌ منهم كاشفاً عن ساقه يقول لهم "أنا ربكم الأعلى"!! فإذا كان ثمة سلف لهؤلاء المبتدعة، فهو: فرعون لعنه الله. إذا كان ثمة سلف لهؤلاء المبتدعة، فهو: النمرود لعنه الله؛ حيث لم يفرِّق بين معاني الخلق ومعاني الخالق جلّ وعلا، فإنه لمّا ناظره سيدنا إبراهيم عليه السلام فقال أن الله عز وجل يحي ويميت، ماذا قال له ذلك النمرود الخبيث؟ قال:" أنا أحي وأميت "! قاس الخالق على المخلوق!! فلما رآه سيدنا إبراهيم عليه السلام على هذا المستوى من الجهل، ماذا قال له؟ أقال له: تعال لأريك ربنا حتى ترى أنك لست مثله؟! كلا! بل علمنا: أن الكلام مع الجاهلين الذي وصلوا إلى ذلك الانحطاط الفكري لا يكون بالأدلة العقلية الكسبية _ في نحو ما آتاه الله تعالى إياه حجة على قومه عليه السلام عندما نظر في ملكوت السماوات والأرض، في النجوم _؛ لأنهم محرومون من شرفها، ولا بالنقل لمن لا يؤمن به، بل: بالضروريات من الأدلة العقلية، مثبتاً حجية العقل الراشد في الإلهيات، وعلامة رشده: موافقة المُحكمات. فأقام عليه الحجة من طريق العقل الضروري. فلا يُقال بعد هذا " يا شيخ! أستشهد بالعقل على الله تعالى؟! أقول: نعم! فالعقل مناط التكليف، وهو شاهد عدل قد قبل الله تعالى شهادته.
يا
أخي الكريم! سيدنا إبراهيم عليه السلام هنا قد أقام الحجة على الرجل بالعقل الكسبي، فلما وجده
جاهلاً به انتقل إلى الضروري فقال له:
وكذلك بُهت قومه من قبل عندما ناظروه وأقام عليهم الحجة بمعاني النجوم:
استدل بحركة النجوم على أنها ليست
آلهة؛ لأن الإله لا يجوز أن يكون متحيزاً فيتحرك،
كما استدل بالخصوصية على الحدثان؛ لأن
المخصوص يحتاج إلى مخصص كما نبهنا من قبل، ومن ثم قال عن كوكب الشمس:
وفي النهاية: بين لهم كفر معتقداتهم، ونزه الله تعالى عن شركهم ( الذي ابتنى إجمالاً: على تجويز معاني الخلق على الخالق سبحانه وتعالى ). وهذا بيان للمتعلمين والجاهلين. وبهذا نُعرف نحن، يُعرَفُ سلفنا في التوحيد والتنزيه، يُعرَفُ سلفنا في علم الكلام، سلفنا في معرفة الإله الحقِّ وفهم الخطاب عنه: إنه سيدنا إبراهيم عليه السلام ( أبو الأنبياء ). فإن كنا نُذَمُّ بعلمنا هذا! فإنه شرفٌ لنا، وهو عزّ على سنة الأنبياء عليهم السلام والأتقياء النبلاء، وليس ذُلاً على سنة المبتدعة الأدعياء والفجرة الأشقياء. وأعود فأقول: إن دافع هؤلاء الناس في تأويل الخطاب واللفظ المتشابه على معاني المخلوقات ( المعاني الحسيّة المدركة ): هو هوى النفس؛ فلا تقوم الحجة بدليل لهم عليه البتة.
وقد قال الله تعالى:
فاتقوا الله وذروا الجهل والزيغ والإلحاد والشرك. والحمد لله رب العالمين.
ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين مزدوجتين باللون الأزرق [[ -- ]]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف.
|