منهج أهل الحق

في الإضافات أو المتشابهات

قال شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي _ حفظه الله _ في بعض فتاواه النورانية:

[ بيان منهج أهل الحق في الإضافات أو المتشابهات ]

اختلف فيها [ أي: الوجه واليد والساق والمجيء والنزول والاستواء .. ] أهل الحقّ على قولين:

أحدهما: قول المفوّضة، وهو: أنّها " صفات ".

فأثبتوها على القاعدة المعروفة عندهم، وهي: تنزيه الله تعالى تنزيهاً عاماً عن صفات المحدثات، بموجب قوله: { ليس كمثله شيءٌ }، وإجراء ما ورد في الكتاب والسّنّة في صفات الله تعالى على اللسان، بدون خوضٍ في المعنى، ولا زيادة في الوارد، ولا إبدال ما ورد بما لم يرد.

وثانيهما: قول المؤوّلة، وهو: أنّها " إضافات "، وليس كلّ مضافٍ صفة.

فعيّنوا لها معنى موافقاً [ لتنزيه الله تعالى عن معاني الخلق ]، بما أرشدهم إليه استعمالات العرب، لأدلّة المقام وقرائن الأحوال.

[ الرد على المخالفين وترجيح مذهب المؤولة ]

قلت: وقد قال الله تعالى: { ويمكرون ويمكر الله }[الأنفال:30]، و{ نسوا الله فنسيهم }[التوبة:67] .. الخ، ولم يُرِد أنه سبحانه يتصف بالمكر والنسيان .. الخ، ولا قال بذلك أحدٌ من أهل العلم.

وكذا قال تعالى: { ونفخت فيه من روحي } .. الخ، ولم يُرِد أنه سبحانه يتّصف بالرّوح .. الخ، ولا قال بذلك أحدٌ من أهل العلم.

بل: لا نعلمُ خلافاً بين أهل العلم في كون القائل بصفتيّة نحو المكر والنسيان والروح مبتدعاً ضالاً ليس يعرف الله تعالى.

وفي هذا إجماع على إثبات الإضافات، والتأويل.

ومن ثمّ يُقال للمخالفين: إذا كان ذلك ثابتاً، فلِم تُثبتونه في شيءٍ دون شيءٍ؟!!

علماً بأن المتشابه المنصوص عليه في قوله تعالى: { وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه } _ إن صحّ حمل الصفات عليه _ هو في حقيقة الصّفات: كحقيقة الوجود بالنّسبة لله تعالى وحقيقته عند المخلوقات، لا في اللفظ الدّالِّ عليها؛ إذ ليس في خطاب الله تعالى لعباده ما يعجزون عن معرفة مراده به وإلا كان الخطابُ معيباً والعياذ بالله تعالى.

ومن هؤلاء الزَّائغين: الحشويّة، الذين يشبّهون وجود الله تعالى بوجود الخلق في زعمهم نحو المكان ولوازمه لله تعالى وإنكارهم وجوب وجوده مقدّساً عن ذلك، متّبعين ما تشابه في اللفظ على حقيقته في المخلوقات ..

فائدة: وعدم القول بصفتيّة نحو المكر والنسيان خاصّة من الفريق الأوّل من أهل الحقّ، والحشويّة البانين مذهبهم على عدم التأويل مطلقاً: دليلٌ على اضطراب القاعدة التي يبنون عليها مذهبهم:

إذ الأولون: نفوا صفتيتها وعيّنوا لها معنىً موافقاً، بينما أصلهم فيما أضيف إلى الله تعالى: التوقّف! إلا أنّ العُذر ملتمسٌ لهم: من جهة تأويلهم الإجماليّ بصرف كافّة المعاني الخلقيّة، وكون هذه الألفاظ مذمومة بذاتها ..

والآخرُون: أثبتوا المضافات على ظاهرها ومنعوا التأويل في شيءٍ منها!

الأمرُ الذي يُظهر قوّة مذهب المؤوِّلة؛ لعدم وجود التناقض بين أصولهم وفروعهم المستمدّة من الأدلّة الشرعيّة الإجماليّة.

[[ وقال حفظه الله في ترجيح ( كون الألفاظ المتشابهة إضافات وليست صفات ) في موضع آخر:" هذه الآية الكريمة [ قوله تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه }[القصص:88] ] نص على مذهب التأويل [ الذي يعتبر الألفاظ المتشابهة إضافات ]؛ إذ اعتبار لفظ " الوجه ": اسم صفة معيَّنة [ اسمها " وجه " كما يقول الصفتيّة ]، يلزم منه هنا: هلاك الذات وسائر الصّفات _ عياذاً بالله تعالى _، سيّما أن الله تعالى قد أضاف لنفسه " الشيء "! فامتنع على الصّفَتِيّة ( أريد: مَنْ يَعتِبرون اللفظَ اسم صفة مُعَيّنة ) استثناء ذلك من الهالكين.

فإن أوّلوا الوجه هنا، فلم لا التزموا هذا قاعدة، سيما وأنهم بتأويلهم قد اكتشفوا عدم استواء قواعدهم، وإلا فليأتونا بدليل قيد التأويل في شيء دون شيء. "انتهى ]]

[ الرد على عبارات للمفوضة في ترجيح مذهبهم ]

تنبيه: وأما قول بعض المفوّضة:" لو لم يكن في ترجيح التفويض على التأويل إلا أن صاحب التأويل ليس جازماً بتأويله بخلاف صاحب التفويض لكفى "اهـ!

فهو قول ساقطٌ؛ لأن المعنى المجازي فيه من السّعة ما ليس في الحقيقيّ، فيُطلقُ ويُعذر متأوّله بما وصل إليه من خلال القرائن المحتفّة به.

وقول البعض:" لو كان التأويل صحيحاً لأوشك أن يكون اهتمام السّلف به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة "اهـ!

كالذي قبله؛ لأن تدوين الشريعة هو الأصل الذي اجتمع عليه همّ السّلف الصالح رضي الله تعالى عنهم.

علماً بأنهم كانوا أهل لسان، وقد أوَّل الكثير منهم.

بل لو سألنا المفوّضة: مَن مِن الصحابة والتابعين وتابعيهم ألزَمَ بالتفويض؟! لما وجدوا ما يدَّعونه من قول معظمهم فضلاً عن الإجماع!

بل مِن الممكن للمتتبع بصحيح النظر لما ورد عن بعض السلف من القول بالتفويض: أن يُدرك أنهم لم يقصدوا ترجيح التفويض على التأويل، بل كان الأنسب مع السائل للقرائن المحتفّة. وهذا مذهب المؤوّلة، عملاً بـ" مخاطبة الناس على قَدْرِ عقولهم ".

وقول سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { إِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً فَلا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا وَمَا جَهِلْتُمْ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ }[أخرجه أحمد وغيره]، حجة على من زعم جهل الخطاب في هؤلاء السلف وهُم مَن هُم.

 


ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين باللون الأزرق [ -- ]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف؛ لأن ما نكتبه غالباً ما يكون مقتصاً من مكتوبٍ لمن ننقل عنه.

والفقرة بين المعقوفتين المزدوجتين باللون الأزرق [[ -- ]]: قمنا بإضافتها هنا نقلاً من كتاب الردود على الفتوى الحموية لمولانا شمس الزمان، لما رأينا لها من المناسبة.