الإضافات أو المتشابهات

بين الحق والباطل

قال الإمام أبو إسحق الشيرازي _ رحمه الله _ في كتاب الإشارة:

[ بيان معتقد أهل الحق في الاستواء ]

يعتقد أهل الحق: أن الله عز وجل مستوٍ على العرش؛ قال الله عز وجل: إن ربكم الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ، وأن استواءه ليس باستقرار ولا ملاصقة.

لأن الاستقرار والملاصقة صفة الأجسام المخلوقة، والرب عز وجل قديم أزلي، أبداً كان وأبداً يكون، لا يجوز عليه التغيير ولا التبديل، ولا الانتقال ولا التحريك. والعرش مخلوق لم يكن فكان؛ قال الله عز وجل: لا إله إلا هو رب العرش العظيم . فلو أن المراد بالاستواء " الاستقرار والملاصقة "، لأدى إلى تغير الرب وانتقاله من حال إلى حال، وهذا محال في حق القديم؛ فإن كل متغير لا بد له من مغيّر.

ولأن العرش مخلوق محدود، فلو كان الرب عز وجل مستقراً عليه، لكان لا يخلو: إمّا أن يكون أكبر، أو أصغر منه، أو مثله:

فلو كان أكبر منه: يكون متبعضاً بعضه خالٍ من العرش، والبعض صفة الأجسام المؤلّفة.

وإن كان أصغر منه: فيكون العرش مع كونه مخلوقاً أكبر منه، وذلك نقص.

وإن كان مثله: يكون محدوداً كالعرش، فإن كان العرش مربعاً فيكون الرب مربعاً، وإن كان مخمساً فيكون الرب مخمساً، وما هو محدود له شَبَه وله مثل ولا يكون قديماً.

فدل: على أنه كان ولا مكان، ثم خلق المكان، وهو الآن على ما عليه كان.

[ الرد على المخالفين وبيان بطلان اعتقاد الجهة ]

فإن قيل: إذا قلتم إنه ليس على العرش، ولا في السماوات، ولا في جهة من الجهات، فأين هو؟!

يُقال لهم: أول جهلكم: وصفكم له بـ" أين "؛ لأن " أين " استخبار عن المكان، والرب عز وجل منزه عن ذلك.

ثم يقال لهم: هل تثبتون خلق العرش والسماوات وجميع الجهات أم لا؟

فإن قالوا: ليست مخلوقة فقد قالوا بقدم العالم، وينتقل الكلام معهم إلى القول بحدوث العالم.

وإن وافقوا أهل الحق وقالوا بخلق جميع الجهات، يقال لهم: فهل كان الرب موجوداً قبل وجودها، وهو الذي أوجدها من العدم إلى الوجود أم لا؟

فإن قيل: لم يكن موجوداً قبلها ولا أوجدها، فقد قالوا بحدث الرب عز وجل وهذا هو الكفر الصراح.

وإن وافقوا أهل الحق في القول بوجوده قبل وجود المخلوقات ( من العالم العلوي والسفلي )، قيل لهم: فأخبرونا عما كان عليه قبل وجودها؟

فكل دليل لهم قبل وجودها، هو دليل لنا بعد وجودها؛ فإن الرب عز وجل بعد وجود جميع المخلوقات على ما كان عليه قبل وجودها، لا يجوز على الرب التغيُّر من حال إلى حال، ولا الانتقال من مكان إلى مكان؛ قال الله عز وجل في قصة إبراهيم عليه السلام: فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل أي: انتقل من جهة إلى جهة، وتغيّر من حال إلى حال قال لا أحب الآفلين أي: لا أحب المنتقلين المتغيرين.

فمن وصف القديم بما نفاه عنه إبراهيم فليس من المسلمين.

[ شبهات أخرى للمخالفين في توهّم الجهة، والرد عليها ]

فإن قيل: إذا لم يكن في جهة، فما فائدة رفع الأيدي إلى السماء في الدعاء، وعروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء؟

يُقال لهم: لو جاز لقائل أن يقول إن الرب عز وجل في جهة فوق، لأجل رفع الأيدي إلى السماء في الدعاء!! لكان لغيره أن يقول: هو في جهة القبلة، لأجل استقبالنا إليها في الصلاة!! أو هو في الأرض، لأجل قربنا من الأرض في حال السجود؛ وقد رُوي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { أقرب ما يكون العبد من الله عز وجل إذا سجد }، قال الله عز وجل: واسجد واقترب !!

فلو كان في جهة فوق، لما وُصف العبد بالقرب منه إذا سجد؛ فكما أن الكعبة قبلة المصلي يستقبلها في الصلاة، ولا يقال إن الله عز وجل في جهة الكعبة ومستقبل الأرض بوجهه في السجود لا يقال: إن الله عز وجل في الأرض، فكذلك _ أيضاً _ جُعلت السماء قبلة الدعاء، لا أنّ الله عز وجل حالّ فيها.

وكذلك أيضاً عروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء، لا يدل على أن الله عز وجل في السماء، كما أن عروج موسى عليه الصلاة والسلام إلى الجبل، وسماعه لكلام الله تعالى عنده، لا يدل على أن الله عز وجل حالّ في الجبل؛ فعروج النبي صلى الله عليه وسلم: إنّما كان زيادة في درجته، وعلواً لمنزلته؛ ليتبين الفرق بينه وبين غيره في المنزلة وعلو الدرجة.

[ بيان معنى الاستواء ]

فإن قيل: إذا لم يكن الاستواء بمعنى الاستقرار، فما معناه؟

يقال لهم: قد اختلف الناس في ذلك:

فمنهم من قال: إن الاستواء: بمعنى القهر والغلبة.

واحتج على القائل بهذا فيقال: لو كان المراد القهر والغلبة، لأدى ذلك إلى أن يكون قبله مقهوراً مغلوباً، وذلك محال[1].

ومنهم من قال: الاستواء: بمعنى الاستيلاء، " استوى على العرش "، أي: استولى عليه؛ يقال: استوى فلان على الملك، أي: استولى عليه.

ومنهم من قال: المراد به: العلو؛ فقوله الرحمن على العرش استوى : يريد به: الرحمن علا، والعرش به استوى.

وهذا _ أيضاً _ محال؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان " العرش " مرفوعاً لا مخفوظاً؛ فدل على أن " على " من حروف الصفات لا من العلو.

ومنهم من قال: المراد به: القصد، كقوله ثم استوى إلى السماء وهي دخان أي: قصد إلى السماء، و" على " بمعنى " إلى "؛ لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض.

وتأويلهم في ذلك كثير، وكلامهم في ذلك يطول.

والواجب من ذلك: أن ننفي عنه ما يؤدي إلى حدوث الرب عز وجل، ثم لا نُطالب بما عدا ذلك.

كما أنا نعتقد أن الله شيء موجود موصوف بصفاته، ثم ننفي عنه ما يؤدي إلى حدوثه ( من صفة الأجسام والجواهر والأعراض )، ثم لا نطالب بما عدا ذلك.

[ بيان مذهب المخالفين، والرد عليه، وتقرير مذهب أهل الحق ]

فإن قيل: نحن نجهل هذه الآية وما أشبهها من الآيات ( كاليدين، والوجه )، ومن الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من النزول والصورة والقَدم )، ونحملها على الظاهر، ولا نتأولها[2]؛ قال الله عز وجل: وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كل من عند ربنا ، فنؤمن بها ولا نتأولها؟

يقال لهم: هذه الآية دليل على القول بالتأويل لا على نفي التأويل؛ والدليل عليه: قوله عز وجل: والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، والإيمان: هو التصديق، والتصديق بالشيء لا يصح مع الجهل.

فدل على أن قوله والراسخون في العلم يقولون آمنا به أي: أنهم يعلمونه ويقولون آمنا، فيعلمونه مضمر كقوله عز وجل والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم أي: يقولون سلام عليكم.

وإذا كانت الآيات والأخبار التي يقتضي العمل بها تُتأول ولا تُحمل على الظاهر _ كقوله عز وجل: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها ؛ فظاهر الآية يقتضي: أن أهل الكبائر يخلدون في النار، ويؤدي ذلك إلى القول بمذهب القدرية، فلا بدّ من تأويل هذه الآية، فيكون المراد: ومن يقتل مؤمناً متعمداً لقتله، مستحلاً لدمه. وكذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: { بين الإسلام وبين الكفر ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر }، يُتأول على مذهب أكثر الأئمة ولا يحمل على الظاهر _، فالآيات والأخبار التي ظاهرها التشبيه ولا يُقتضى العمل بها، بل يُقتضى العلم: أولى وأحرى لأن تُتأول؛ لأنا إذا قلنا: على العرش استوى لا يقتضي العمل، ولا له تأويل، فظاهره: يقتضي حدوث الرب عز وجل وتشبيهه بالخلق، فما فائدة إعلامنا به؟

وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام { خلق الله آدم على صورته }: إذا قلنا ليس لها تأويل ولا يقتضي العمل، فيكون هذياناً ولغواً، ونكون قد صدّقنا الكفار في قولهم: معلم مجنون , أي يأتي بشيء لا معنى له!!

وغرضهم من نفي التأويل بقاؤهم على التشبيه.

فإن لم يقولوا بالتأويل ونفوا التشبيه، لم يطالَبوا بغيره، ولم يجب عليهم أكثر من ذلك.

لأن الذي يحوجنا ويدعونا إلى التأويل[3]: قول المخالف: لا أدري ولا أتأول، أنا أحمل هذا الاستواء على الظاهر، ولا أدري هل هو استقرار أو غير استقرار، وكذلك قوله عز وجل: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديَّ أحملها على الظاهر، ولا أدري هل هما جارحتان أو غير جارحتان!

وهذا جهل منهم بالرب عز وجل، وذلك يؤدي إلى كفره؛ لأن من جهل صفة من صفات معلومة لم يعرف المعلوم على ما هو به، وقوله " لا أدري ": شك في الله عز وجل، وقلة علمه بما يجوز في حقه وما لا يجوز؛ لأن حمل هذه الآيات والأخبار على ظاهرها: إنما تصح بعد نفي التشبيه، وهو: أن يعتقد أن هذا الاستواء ليس بجلوس ولا استقرار ولا ملاصقة، ثم _ بعد ذلك _ هو مخيَّر: إن شاء تأَوَّل، وإن شاء حمله على الظاهر.[4]

[ بيان معنى اليد ]

وكذلك قوله عز وجل: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديَّ ، وقوله عز وجل: أولم يَرَوْا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون : يعتقدون: أن هذه اليد ليست بجارحة ولا تلمس، فما هي؟

يُقال لهم: قد اختلف الناس في ذلك:

فمنهم من قال: " اليد " هاهنا: يد قدرة[5]، والمراد بالتثنية: الواحد؛ كقول الشاعر: خليليّ وصاحبيّ، والدليل عليه: أن جميع الموجودات والمخلوقات بقدرته، وخصَّ آدم بالذكر، كما أن المساجد كلها لله وخص الكعبة بالذكر، والنوُّق كلها لله وخصّ ناقة صالح بالذكر، فكذلك _ أيضاً _ هاهنا خلق آدم وجميع المخلوقات بيده، وخصَّ آدم بالذكر تشريفاً وتخصيصاً.

ومنهم من قال: " اليد " هاهنا: صفة زائدة على القدرة، خصّ بها آدم وخلقه بها.

واحْتُجَّ على القائل بهذا وقيل: لو أن المراد بـ" اليد " هاهنا " صفة زائدة على القدرة "، لأدى إلى أن يكون للرب صفات كثيرة لا نعلمها[6]، وهذا يؤدي إلى الجهل بالرب!!

والواجب من ذلك: ما ذكرته وهو: نفي التشبيه، والاعتقاد بأن هذه "اليد" ليست بجارحة ولا تلمس.

وكذلك جميع الأخبار التي ظاهرها يقتضي التشبيه: كقوله عليه الصلاة والسلام: { خلق آدم على صورته }، وقوله عليه الصلاة والسلام: { إن النار يلقى فيها وتقول: هل من مزيد، حتى يضع الجبَّار قدمه فيها }، وقوله عليه الصلاة والسلام: { رأيت ربي في أحسن صورة }.

فالواجب في ذلك: الاعتقاد بأن " الهاء " في قوله { خلق آدم على صورته }: عائدة إلى آدم، أو إلى الصورة، لا إلى الرب عز وجل، لأن الرب عز وجل ليس بصورة؛ لأن الصورة لا بد لها من مصور، والربّ عز وجل منزّه عن ذلك.

وكذلك " القَدم " _ أيضاً _: عائد إلى قدم الجبّار الكافر، قال الله عز وجل: وخاب كل جبّار عنيد ، أو عائد إلى من قَدَّمه الرب عز وجل في السابق أنه من أهل النار، قال الله عز وجل: وبشّر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم أي سابقة صدق، لا إلى الرب عز وجل؛ قال الله عز وجل: لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ، فمن يعتقد ويؤمن بأن الله إله، ومع ذلك لا تمتلئ جهنّم إلاّ به!! فالسكوت عنه أولى من الكلام معه ومناظرته؛ لأنه لم يستفد من عقله غير التكليف الذي به يستحق العقوبة والتخلد في النار.[7]

[ العاقل على الحقيقة ]

وإنما العاقل على الحقيقة: من يتوصل بعقله عند نظره واستدلاله إلى الحق؛ كما بينا: أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام استدل على خلق الكواكب والشمس والقمر بالتغير والأفول والانتقال من حال إلى حال، وأمَرَنا الربُّ عز وجل باتباعه لإصابته الحق.

لا من يعتقد ويصف الرب بالنزول والانتقال والتغير من حال إلى حال، ويحمل هذه الأخبار على ظاهرها من غير تأويل ولا نفي تشبيه، بجهله وحماقته وقلة علمه بصفته.

وتأويل هذه الأخبار يطول شرحه وليس هذا موضعه.

[الإشارة إلى مذهب أهل الحق:235-248]


[1]- كتب شيخنا الإمام شمس الزمان _ رضي الله عنه _ في حاشية كتاب الإشارة:" قلت: هذا إلزام لمن اعتقد القهرَ بالمغالبة، لكنه لا يصح لمن حمله على المعنى الثابت لاسم " القهار " سبحانه وتعالى "انتهى.

عودة للنص ^

[2]- كتب شيخنا الإمام شمس الزمان _ رضي الله عنه _ في حاشية كتاب الإشارة:" قلت: ومَنْ أعلمَهُم أن ظاهر ما أضيف إلى الله تعالى عينُ ظاهر ما أضيف إلى الخَلقِ؟! فإن الظاهر في الناس غير الظاهر في الجماد والنبات _ مثلاً _، فكيف ثبت عندهم أن الظاهر فيما أضيف إلى الله تعالى كالظاهر عند الناس؟!!

فيتبيّن بهذا: أن قولهم: " الظاهر ": هو ظاهر في شيء دون شيء، وتأويلٌ في الإضافات الإلهيَّة.

ثم لما كان المحكم من الخطاب يقتضي تنزيه الخالق عن معاني الخلق: دلَّ على أن تأويلهم من باب التحريف والإلحاد في الله تعالى. فافهم "انتهى.

عودة للنص ^

[3]- كتب شيخنا الإمام شمس الزمان _ رضي الله عنه _ في حاشية كتاب الإشارة:" قوله " الذي يدعونا إلى التأويل .. " الخ: أقول: ذلك أمران:

أحدهما: العلم بمراد الله تعالى، وهذا مندوب.

والثاني: تنزيه الله تعالى، وتعليمه للناس على ما ذكره الشيخ الإمام رحمه الله تعالى، وهذا فرض. "انتهى.

عودة للنص ^

[4]- كتب شيخنا الإمام شمس الزمان _ رضي الله عنه _ في حاشية كتاب الإشارة:" يريد الشيخ الإمام _ رحمه الله تعالى _: أن سبب كفرهم شيئان: الجهل بالله تعالى، والتشبيه وما في معناه من نواقض التنزيه. "انتهى.

عودة للنص ^

[5]- كتب شيخنا الإمام شمس الزمان _ رضي الله عنه _ في حاشية كتاب الإشارة:" بمعنى الخلق والرزق والإنعام .. الخ. "انتهى.

عودة للنص ^

[6]- كتب شيخنا الإمام شمس الزمان _ رضي الله عنه _ في حاشية كتاب الإشارة:" يعني: مما أخبرنا عنه في كتابه، فطالبنا بالإيمان به. "انتهى.

عودة للنص ^

[7]- كتب شيخنا الإمام شمس الزمان _ رضي الله عنه _ في حاشية كتاب الإشارة:" يعني: تكليف الطاغوت. "انتهى.

عودة للنص ^


ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين باللون الأزرق [ -- ]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود.