|
تنزيه الله عن المكان ولوازمه قال شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي _ حفظه الله _ في بعض فتاواه النورانية: من المستحيل أن يكون لله تعالى مكان أو يجري عليه زمان؛ لأن الواجب في الإله أن يكون أحداً في ذاته وصفاته وأفعاله، وكونه في مكانٍ أو شيءٍ من لوازمه كالجهة، ينافي أحديَّته: لأنه فضلاً عن كونه يفيد الحدَّ الموجب للمخصّص الدال على الحدوث، فإنه افتقارٌ إلى المكان، وهو يدلّ على الحدوث: إذ لو افتقر سبحانه إلى المكان للزم أن يكون المكانُ قديماً مثله، أو يكون اللهُ تعالى حادثاً كالمكان!! وكلاهما مستحيل باطل، عقلاً ونقلاً. وقد بيّن الله تعالى قدسيته وبراءته من هذا في نصوص التوحيد والتنزيه الواردة في الكتاب والسنّة، وأظهرها: قوله تعالى: { هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }[الحديد:3] الذي أوّله سبحانه بما ذكر من نصوص موهمة بالمكان المخصوص، وأخرى بالحلول والاتحاد، ليُعلم من اجتماع النقيضين بطلان كليهما عنه سبحانه، وهو ما بيّنه سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:" اللهمّ أنت الأوّل فليس قبلك شيءٌ، وأنت الآخر فليس بعدك شيءٌ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيءٌ، وأنت الباطن فليس دونك شيء .. "[متفق عليه]، وقوله:" كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ "[رويناه متصلاً، وأخرجه البخاريّ]، وفي رواية:" ولم يكن شيء قبله "، وفي رواية:" ولم يكن شيء معه ". وكلّها بمعنى واحدٍ عند من نال حظاً من الفهم؛ لأن: ما لم يكن شيءٌ غيره لم يكن قبله ولا معه شيءٌ، وما لا شيء قبله لا شيء غيره معه لأنه الخالق لكل شيءٍ، وخلاف ذلك منافٍ للألوهيّة والأحديّة، وما لم يكن شيء معه لم يكن شيء غيره ولا قبله. وهذا نفيٌ لوجود أي شيءٍ في الأزل غير الله تعالى، وهو الحقّ الذي لا يُنكره عاقل سليم القلب. قال الحافظ ابن حجر:" فيه دلالة: على أنه لم يكن شيء غيره: لا الماء ولا العرش ولا غيرهما، لأن كل ذلك غير الله تعالى. ويكون قوله: ( وكان عرشه على الماء ) معناه: أنه خلق الماء سابقاً ثم خلق العرش على الماء .. قال الطيبي: هو فصل مستقل، لأن ( القديم ) من لم يسبقه شيءٌ، ولم يعارضه في الأولية، لكن أشار بقوله: ( وكان عرشه على الماء ) إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم لكونهما خلقا قبل خلق السماوات والأرض، ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إلا الماء. ومحصل الحديث أن مُطْلَق قوله: ( وكان عرشه على الماء ) مقَيَّد بقوله: ( ولم يكن شيء غيره )، والمراد بـ( كان ) في الأول: الأزلية، وفي الثاني: الحدوث بعد العدم. وفي الحديث: .. أن جنس الزمان ونوعه حادث، وأن الله أوجد هذه المخلوقات بعد أن لم تكن، لا عن عجز عن ذلك بل مع القدرة ".اهـ فإن علمت هذا، علمت أن الله تعالى ليس في مكان، إذ كيف لا يكون في مكان قبل خلق المكان ثم يصير فيه بعد خلقه؟!! وبوجه آخر: كيف لا يكون محدوداً معدوداً ثم يصير كذلك بعد إيجاده الخلق؟!! فضلاً عما يلزم من المفاسد المتقدّمة على القول بالمكان. وإن علمت هذا كله وتدبّرته، أدركت قدسية الله تعالى عن المكان وما في معناه من لوازم المحدثات، وفساد عقيدة القائلين بالمكان، وأن الحق في هذه المسألة: اعتقاد وجود الله تعالى مع علوّه وقدسيّته عن المكان، مع الإقرار بالعجز عن إدراك حقيقة ذلك الوجود. وما يقع في نفسك بعد هذا من الحيرة، فهو أمر طبيعي لِمَا يرد على العقل مما لا يستطيع تصوّره، ويُخالف المعقولات التي بني عليها، فلا تلتفت إليه ولا تأبه به.
|