بيان الرَّد على الحشوية (الوهابية)

في اعتراضهم على تنزيه الله عن المكان

ادَّعى الحشوية من المبتدعة:" أن اعتقاد تنزيه الله عن المكان تدل على عدم معرفة الله سبحانه "اهـ!

قال شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله:

اعلم أنا قد زودناك سابقاً بحجج ظاهرة صقيلة تدمغ إفك هؤلاء وما يفترون، ونزيدك الآن:

أولاً: أن الوجود: وجود يتصرف فيه الحسّ والوهم والخيال ويقبله، ووجود لا يتصرف ذلك فيه ولا يقبله:

فالأول: وهو ما يستحيل عدم الفهم الحسِّي له، ممنوع على الله سبحانه وتعالى؛ لثبوت استحالته عقلاً ونقلاً:

فالعقل شهد بأحديّة الإله الموجبة ضرورة قيامه بنفسه، ومخالفته للحوادث، فلا يتصرف فيه الحس والوهم والخيال؛ لابتنائهم على الحس وما يتفرَّع منه.

والنقل صدّق العقلَ: فقال الله تعالى: { قل هو الله أحد * الله الصَّمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد }، { لا تُدركه الأبصار } .. الخ.

وعليه فالثاني: وهو ما لا سبيل للفهم الحسِّي له، واجب لله تعالى، فصح وجوده من غير حيّزٍ ولا مكانٍ ولا جهة.

فإن تعلق المبتدع الحشويّ ببعد فهمه لموجود بلا مكان!!

قلنا: أنا آمنا بما ثبت عقلاً ونقلاً: أن وجود الله تعالى منزَّه عن الجَوهريَّة والجسمية والعَرَضِيَّة، مع بُعد الفهم الحسِّي له، فكذلك الحال في كونه منزهاً عن الحيّز والمكان والجهة.

فإن كابر عن التزام هذا البرهان الساطع، والدليل القاطع، فقد نادى بتناقضه وهوائيَّتِه؛ إذ ليس الإيمان بنزاهة وجوده عن الأول أولى من نزاهته عن الثاني، بل إن نزاهته عن الأول موجب للثاني، والعكس صحيح.

وإن غالى في العنجهيّة فصرَّح بمقولة بعض الحشويّة: أن الإله جسم لا كالأجسام .. وهكذا!! يُريد نقض ما ذكرنا.

فقد جنى على نفسه؛ لأن نفيه عنه المشابهة التفصيلية فضلاً عن كونه إثباتاً لعدم الفهم الحسِّي له، هو _ على فساده _ أوجبُ لمقتضى المسألة مما تقدَّم.

هذا، ولو افتقر كل موجود إلى مكان، فـ( المكان ) موجود فيفتقر إلى مكان آخر، وذلك يؤدي إلى ما لا يتناها!!

فالله تعالى: ليس في مكان.

ثانياً: أنَّه لمَّا ثبت _ عقلاً ونقلاً _ أحديّة الله تعالى، ثبت استحالة كون وجوده تعالى مكانياً أو زمانياً؛ وإلا لزِم قِدَم المكان والزمان معه! أو تقدمهما عليه! وكلاهما كفر؛ لنقضهما الألوهيّة اللازمة من الأحديّة. وذلك قول سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { كان الله ولا شيء معه }، المبيِّن لمُحكمات نصوص القرآن المخبرة بالأحديّة والتنزيه.

ولو صار مختصاً بالمكان بعدما خلقه! لكان يتخصص بمخصص، ويجوز عليه التغيّر والاحتياج!! وذلك كفر.

علماً بأن المتمكن في مكان: إما مختص بحيِّزٍ اختصاصَ الجواهر، أو مختص بجوهر اختصاصَ العَرَض!! وذلك كفر.

وكذا لو كان فوق العالم كما يزعمون! لكان محاذياً له، وكل محاذ لجسم: فإما أن يكون مثله، أو أصغر منه، أو أكبر، وكل ذلك ( تقديرٌ ) محوج بالضَّرورة إلى مُقَدِّر!! وهو كفر.

علما بأن الجهات: حادثة بحدوث ذوي الطرف: السفليّ، وهو: ما يُقابل الأرض، وقد أطلق على ما يليه اسم ( السفل ). والطّرف العلوي، وهو: ما يقابل السفلي، وقد أطلِق على ما يليه اسم ( الفَوق ). وهكذا .. الخ. ولولاها _ بأن خلقوا مستديرين كالكرة _ لم توجد الجهات.

هذا، ولو كان في جهة وقدرنا شخصاً أعطاه اللهُ تعالى قوّةً عظيمةً واشتغل بقطع المسافة بينهما: فإما أن يصل إليه، أو لا يصل.

فإن وصل إليه وحاذاه فيجوز إذاً أن يماسّه! ويلزم من ذلك كُفْرَان:

أحدهما: قِدَم العَالَم؛ لأنا نستدل على حدوث العالم بالافتراق والاجتماع ..

والثاني: إثبات الولد والزوجة على ما قالت النصارى؛ لأن الذي يقطع المسافة ويصعد إلى فوق، يجوز أن يكون امرأةً تتصل به!! ..

وإن لم يصِل إليه فهو قول بنفي الإله؛ لأن كل موجودين بينهما مسافة معلومة، وأحدهما لا يزال يقطع تلك المسافة ولا يصل إلى الآخر يدل على أنه ليس بموجود.

وعليه: فكل مختص بمكان شاغل له: متحيز، وكل متحيز: قابل لملاقاة الجواهر ومفارقتها، وكل ما يقبل الاجتماع والافتراق: لا يخلو عنها، وما لا يخلو عن الاجتماع والافتراق: حادث كالجواهر.