الأحداث بين علي ومعاوية رضي الله عنهما

قال الشيخ الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزابادي _ رحمه الله _ في كتاب الإشارة:

إن قيل: أخبرونا بما جرى بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، الحق مع من كان منهما؟

يقال لهم: اختلف الناس في ذلك:

فمنهم من قال: الحق كان مع علي رضي الله عنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: { عليّ على الحق، والحق معه حيث دار }.

ومنهم من قال: إن كلّ واحد منهما كان مجتهداً مصيباً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: { كل مجتهد مصيب }، لأنهما لم يختلفا في الأصول، وإنما اختلفا في الفروع، كاختلاف الشافعي رضي الله عنه وأبي حنيفة.

والناس في ذلك على قولين:

فمنهم من يقول: إن الحق في جهة واحدة، وإن المخالف لتلك الجهة مجتهد مخطئ له أجر، لا أن خطأه يؤدي إلى كفره ولا فسقه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: { من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر }.

ومنهم من يقول: كل مجتهد منهما مصيب للخير، وحملوا أمر معاوية وعلي رضي الله عنهما على ذلك؛ وذلك أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان الخليفة، وهو ابن عم معاوية، فقتل مظلوماً، وولي بعده الخلافة علي رضي الله عنه، فجاء معاوية وطالبه بدمه، فقال علي رضي الله عنه:" من قتل عثمان "؟ فقام الخلق كلهم، فأدى اجتهاده إلى تركهم؛ ذلك لأنه لا يمكنه قتل جميعهم، وخشي على نفسه أيضاً أن يقتلوه كما قتلوا عثمان رضي الله عنهما. فلما تركهم، ظنّ معاوية وأصحابه أنهم قد تركوا شرطاً من شروط الإمامة؛ لأن من شرط الإمامة: استيفاء الحقوق، فإذا لم يستوف الحقوق فقد ترك شرطاً من شروط الإمامة وبطلت إمامته، والعصر لا بد له من إمام، فعقدوا لمعاوية بهذا الاجتهاد. فكل واحد منهما كان مجتهداً مصيباً.

والدليل على أنه لم يجر بينهما ما يؤدي إلى الكفر والفسق:

أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان إذا قاتل الكفار يظهر الفرح والاستبشار، وفي حال قتاله لمعاوية ظهر منه الهمّ والحزن، وأشرف على القتل، فقال أبو الحسن:" كل هذا بيننا! إلى الله أشكو عجري وبجري " أي همومي وأحزاني، " يا ليتني مت قبل هذا بعشرين سنة ".

وكان يقول لأصحابه:" ألا لا يُتبع مُولٍ، ولا يُذْفَف على جريح "، فلو وجد منهم ما يؤدي إلى كفرهم وفسقهم لما أمر أصحابه بذلك.

ورُوي أن بعض أصحابه قال له: أكفارٌ هم؟ فقال لهم:" لا، إخواننا بغوا علينا "؛ قال الله تعالى: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما, فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله }. فسماهم الله حال القتال مؤمنين، ولم يقل: وإن طائفتان مؤمنة وكافرة.

وقال الله عز وجل: { إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم }، والصلح لا يكون إلا بعد القتال.

وإذا كان إخوة يوسف مع كونهم أنبياء _ والأنبياء أفضل من الصحابة _ يفعلون بيوسف ما فعلوا _ ويوسف أخوهم وشقيقهم _ حسداً فيما يتعلق بأمور الدنيا، فمن نزلت درجته عن درجتهم لا يُستبعد منهم ما يجري بينهم من قتال أو غيره فيما يتعلق بأمور الدين.

والدليل على أن ما جرى بينهم لم يكن متعلق بأمور الدنيا: أن عمرو بن العاص كان وزير معاوية، فلما قُتل عمّار بن ياسر أمسك عن القتال وتابعه على ذلك خلق كثير، فقال له معاوية: لم لا تقاتل؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمّار بن ياسر: { تقتلك الفئة الباغية }، ونحن قتلناه، فدل على أن نحن بغاة. فقال معاوية: ما نحن قتلناه، قتله من أرسله إلينا يقاتلنا، أما نحن فقد دافعنا عن أنفسنا فقتل. فبلغ ذلك علياً رضي الله عنه فقال:" إن كنت أنا قتلته فالنبي صلى الله عليه وسلم قاتل حمزة حين أرسله إلى قتال الكفّار ".

ولهذا قال بعض أصحابنا: إن علياً كان مجتهداً مصيباً فله أجران، ومعاوية كان مجتهداً مخطئاً فله أجر.

والواجب في ذلك: الإمساك عمّا شجر بينهم، وذكر محاسنهم؛ لما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { سيجري بين أصحابي هينمة يغفرها الله لهم؛ لسابقتهم، فإياكم وما شجر بينهم، فلو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهباً، ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه }.

وقال عز وجل: { والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } الآية.

وقال عز وجل: { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان }.

فأسأل الله البديع الرفيع أن يحشرنا في زمرتهم، وأن يغفر لنا ولهم بمحبتهم، ويبغض إلينا من يبغضهم؛ فقد رُوي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أن الله عز وجل إذا علم من عبدٍ أنه يبغض صاحب بدعة، غفر الله له وإن قلّ عمله }. ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { من انتهر صاحب بدعة، ملأ الله قلبه إيماناً وأمناً }. وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: { من أهان صاحب بدعة، أمّنه الله من الفزع الأكبر }.

فليس يبغضهم إلا مشرك كافر؛ لما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: { يا علي، يخرج قوم من قبل المشرق، يقال لهم الرافضة، فإن أدركتهم فاقتلهم؛ فإنهم مشركون، وعلامة ذلك: أنهم يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما }.

وحكي أن أبا نوّاس رُؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي. فقيل له: بمّ؟ فقال: بأربعة أبيات قلتها. فقيل له: وما هي؟ قال: هي:

إنيِّ رضيتُ أبـا حَفْصٍ وشِيعَتَهُ كما رَضيتُ عَتِيقا ً صَاحِبَ الغَارِ
وقَدْ رَضيتُ عَليـاً قُدوة عَلَمـاً وما رَضيتُ بِقَتْلِ الشَّْيخِ في الدَّارِ
كُلُّ الصَّحَابَةِ عِنْدي قُدوَةٌ عُلُمـاً فَهل عَلَّي بهـذا القَوْلِ من عَارِ؟
إن كُنْتَ تَعْلَـمُ أنـي لا أُحِبُّهُـم إلاَّ لِوَجْهِكَ فاعتقنـي مِنَ النَّـارِ

فكما أن محبتهم واتباعهم توصل إلى الجنة وإن كثرت الذنوب، فكذلك بغضهم وترك اتباعهم والاقتداء بهم يكون سبباً للخلود في النار، وإن كثرت الطاعة.