قال شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله:

الكشف في اللغة: الإظهار، أي: رفع حجابٍ عما يواريه ويُغطّيه، ومنه قول الله تعالى: { لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد }[ق:22]. ومنه: المرض الخفي، يكشف للطبيب الحاذق عنه دون غيره.

وفي الشرع: إظهار اللهِ تعالى للعبد شؤوناً غائبة؛ ومنه قول الله تعالى: { وعلمناه من لدنا علما }[الكهف:65]: { ما لم تحط به خبرا }[الكهف:68] ..

و .. الكشف ليس مصدراً تشريعياً، لكنه [ إذا كان مما يترتب عليه حكم شرعي عملي، فإنه يكون ] انكشاف عِلَّة، فإن كان حكمها الشرعيّ ظاهراً لم يترتب عليها مخالفة ظاهر الشريعة، وإن كان حكمها خفياً ترتب عليها العدول عن حكم الظاهر إلى حكم الخفي.

[ فهو ]: وسيلة للمعرفة وتحقيق مقاصد الشريعة، أي: من جهة انكشاف المعارف والعلل به على ما سأبينه، فأشبه بذلك التقنيات الحديثة التي تعين على معرفة أسرار الكون وتوصل الأطباء إلى معرفة العلل الخفية من الأمراض.

ولما كان الكلام عن الكشف الصحيح كان البحث في الشريعة عن حُكمِه لا حكمته، فسواء أدركنا الحكمة أم لا يبقى ما تكشف به خادماً للدين ..

[ و ] الكشف وسيلة معتبرة [ في الشريعة ] لمعرفة علة يترتب عليها حكم شرعي على خلاف الظاهر في الوقت غالباً _ على ما سأبينه في حقيقة الكشف لاحقاً _ أرشَدَت إليه ( أي: إلى الحكم ) الأدلةُ الشرعية. مثاله: الطبيب يكشف له عن علة في مريضه تزداد بالحلوى وتفتك به، فيمنعه من الحلوى، فتصبح حراماً في حقّه لأجل العلة المكشوفة، وهو خلاف ظاهر الشريعة التي أحلت الحلوى، لكنه منها ..

والمكاشف: إن أظهَر مكاشفته للناس: وجب عليه إثبات البينة على صحة كشفه، فإن أثبت لا خلاف؛ إذ تقوم البيّنة مقام ظهوره، وإن لم يُثبِت تُرَدّ عليه دعواه؛ فـ{ من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو ردّ }، ولا يؤذن بالعمل به، فإن أراد خرق سفينة مثلا يدعي أن وراءها قرصاناً يريد اغتصابها، مُنِع، فإن خرقها أقيمت عليه الحدود الشرعية المرعيَّة. وإن لم يظهر مكاشفته: فالأمر بينه وبين الله تعالى ..

أما حقيقة الكشف: فقد تقدَّم أنه إظهارُ اللهِ تعالى للعبد شؤوناً غائبة، وهي ( أي: الشؤون الغائبة ) نوعان:

أحدهما: أن يكون إظهاراً لحقيقة، كمشاهدة مَلَك، فيندرج في أصله على سبيل التحقّق، ويُسند إليه حكمُه.

والثاني: أن يكون إظهاراً لِعِلَّة، كغصب السفينة في قِصَّة الخضر رضي الله تعالى عنه، والمَرض الخفي فيما تقدَّم وما أضْرِب من أمثلة، وهو ضربان:

الضرب الأول: علمي، بأن يكون التعريف بالعلّة للعلم لا للعمل فلا يترتب عليه حكم عملي، ولذلك وجوه من الحِكمةِ، فهو يُشبه النوع الأول من جهة، وهو في المثال: المرض الخفي الذي لا يُعرف سببه ولا علاجه، لا يترتب عليه أن يمنع الطبيبُ مريضه عن شيء، ولا أن يأمره بشيء، فيكون أشبه بأنه غير كائن.

الضرب الثاني: عملي، بأن يكون التعريف بالعِلَّة للعمل بها وفق ما تقرَّر في الشريعة، وهو قسمان:

القسم الأول: أن تكون العِلَّة ثابتة لكنها لا تظهر إلا في المستقبل، أي: موجودة في الوقت لكن لا تظهر إلا في وقت لاحق، وهو وجهان:

الوجه الأول: أن تكون العِلَّة محكوم عليها بالظاهر، كقتل الغلام في قصَّة الخضر رضي الله تعالى عنه؛ فإن علَّة قتله ثابتة كما في الخبر { طبع يوم طبع كافراً ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفرا }[مسلم وأبو داود والترمذي]، ولكنها لم تكن قد ظهرت بعد، وذلك في المثال: أن يكشف للطبيب عن علة خفيَّة في أصبع مريض لم تظهر بعد، ومثلها لا علاج له، وإن ظهر يفتك بالمريض، فيقطع أصبعه قبل ظهورها.

الوجه الثاني: أن تكون العِلَّة محكوم عليها بخلاف حكم الظاهر، كخرق السفينة في القِصَّة؛ فإن علّة خرقها ثابتة كما في قوله { وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً }[الكهف: 79]، ولكنها لم تكن قد ظهرت بعد، وذلك في المثال: أن يكشف للطبيب عن علة خفيَّة في أصبع مريض لم تظهر بعد، ومثلها إن ظهر يفتك بالمريض، ويمكن علاجها قبل ظهورها بحجز المريض وتعريضه لبعض ما فيه ضرر مؤقَّت لا يفتك به، فيعالجه بذلك؛ إذ قد تقرَّر في القواعد: أنه يُرْتَكب أخف الضررين لاتقاء أشدهما.

القسم الثاني: أن تكون العِلَّة ثابتـة وظاهرة أي: موجودة في الوقت لكن محجوبة، وهو وجهان أيضاً:

الوجه الأول: أن تكون العِلَّة محكوم عليها بالظاهر، كأن تكون مواقيت الصلاة لمن ألقي في غيابة قبو لا تظهر فيه، وذلك في المثال: أن يُكشف للطبيب عن علة خفيَّة في مريضه فيعطيه دواءً لاتقائها.

الوجه الثاني: أن تكون العِلَّة محكوم عليها بخلاف حكم الظاهر، كأن تكون التربّص بالقتل من متخفٍّ، أي ينوي أن يقتل من يعرف شيئاً ما عنه وهو لا يُظهر نيّته، فيُنكر المكاشف بذلك معرفتَه اتقاءً للقتل، وذلك في المثال: الطبيب يكشف له عن علة في مريضه تزداد بالحلوى وتفتك به، فيمنعه من الحلوى.

والكشف: إما فاسد: يحصل عن المخلوقات بطريق العلم والشيطان .. الخ. وإما صحيح: يحصل عن الله تعالى بطرق شرعية ( أي: اعتبرها الشرع )، كطريق المشاهدة والمَلَك والرؤية الصالحة الحسنة .. الخ؛ قال الله تعالى: { واتقوا الله ويُعلمكم الله }[البقرة:282]، فدلَّ بعمومه على أن العلم من الله تعالى علمان:

العلم الأول: علم الشريعة؛ كما في خبر: { من يُرد الله به خيراً يُفقّهه في الدِّين }[متفق عليه]، فمن اتقى الله تعالى من العُبَّاد إن كان من عامَّة المسلمين يسّر له العلم بالحقوق، وإن كان من علمائهم يسّر له العلم بالشريعة؛ لذلك ورد في خبرٍ: { من طلب علماً مما يُبتغى به وجه الله ليُصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة }[أبو داود ابن ماجة].

العلم الثاني: علم الحقيقة، فمن اتقى الله تعالى من أهلِ الشريعة علَّمَه من لدُنْه علماً، وذلك من طُرقٍ هي الكشف أو هو منها، بحسب الاصطلاح على معنى الكشف؛ قال الله تعالى: { الذي عنده علم من الكتاب }[النمل:40]، { وعلمناه من لدنا علما }[الكهف:65]، وفي الخبر: { من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم }.

وفي ذلك دلالة على فضل التقوى الصحيحة التي يحصل بها زكاة النفس وصلاح القلب، وأنها وسيلة لصحَّة العلم وزيادته، وعلامة على الصِّدق.

وترجع طرق الكشف من حيث ثبوتها إلى أصلين:

أحدهما: طريق جلي: وهو الحاصل من طرق ثابتة، فيكون يقيناً عند أصحابه لا يشكّون أنه من عند الله تعالى؛ فقال الخضر رضي الله تعالى عنه: { وما فعلته عن أمري }[الكهف:82].

والثاني: طريق خفي: وهو الحاصل من طرق غير ثابتة كالرؤية وما في معناها مما يمكن للشيطان التمثل فيه، فيكون ظناً عند أصحابه، ولا يجوز البناء عليه قبل التثبت منه؛ قال الله تعالى: { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً }[النساء:83].

وأما مشروعية الكشف: فالكلام عليها من وجوه:

الوجه الأول: جوازه: وهو ثابت عقلاً؛ لأنه ممكنٌ يحصل بتقدير الله تعالى، وشرعاً؛ لأن الشرع أثبته؛ قال الله تعالى: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء }[البقرة:255] ..

الوجه الثاني: وقوعه: وهو ممكن عقلاً؛ لأنه يحصل بتقدير الله تعالى، وثابت شرعاً؛ لأن الشرع أثبته في مواضع منها .. :

1/ قصّة الخضر رضي الله تعالى عنه.

2/ قصّة السيّدة مريم رضي الله تعالى عنها.

3/ ظاهر قول الله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة .. }[فصلت:30-31].

4/ خبر: { قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم أناس محدثون، فإن يك في أمتي أحد منهم فهو عمر بن الخطاب }[متفق عليه].

5/ خبر: { اتقوا فراسة المؤمن }[الطبراني وغيره].

6/ الرؤيا، وقد جرت لسيدنا يوسف عليه السلام، وكذلك سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الأخبار: { رؤيا المؤمن كلام يكلم به العبدُ ربَّه في المنام }[الطبراني في الكبير]، { الرؤيا الحسنة من الله }[البخاري]، { رؤيا المؤمن جزء من .. النبوة }[متفق عليه]، وفي روايات: { رؤيا المسلم }، { رؤيا الرجل الصالح }، { الرؤيا الصالحة }.

7/ أخبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومنه ما جرى لهم في غسل سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقول سيدنا أبو بكر الصّديق رضي الله تعالى عنه:" إنما هما أخواك وأختاك "، وقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه:" يا سارية، الجبل " .. الخ، وكذا أخبار السلف والخلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، وهي كثيرة.

وفي هذا القدر زيادة على الكِفاية لمن وفَّقَه الله تعالى وشَمله بالعِنَاية.

تنبيه: والفراسة والرؤية والإشهاد والإلهام والهاتف وغير ذلك مما دللنا عليه أو أجملناه أو اكتفينا عنه بما بيناه: من الكشف؛ لأنه إظهار لشأن غائب.

الوجه الثالث: اعتباره: أي: قبوله كوسيلةٍ لإثبات الحقائق والعِلَل التي تتعلق بها الأحكام الشرعية، وهو ممكن عقلاً؛ لأنه وسيلة لتحقيق مقاصد الشريعة وخدمة الدِّيْن، ومعتمد شرعاً من وجهين:

أحدهما: مجمل، وهو ما أرشدت إليه الأدلة المتقدمة وما في معناها على وجه الإجمال: [ فقد ] بينت الأدلة جواز الكشف ووقوعه والعمل به، وفي ذلك دلالة على اعتباره؛ فلو لم يكن معتمداً لكان بيانُ جوازه لغواً، ووقوعُه عبثاً، فكيف وقد ثبت العمل به؟!!

والثاني: مفصّل، وهو ما أرشد إليه كل دليل من السبعة المتقدمة دون ما تقدم وغيره على وجه التفصيل:

1/ ثبت في قصة الخضر رضي الله تعالى عنه تلقيه العلم من لدن الله تعالى وهو الكشف أو نوع منه، ثم إنه أعتمد عليه في شأن السفينة والغلام والجدار؛ فإنه قد خرق الأولى وقتل الثاني وبنا الثالث بناء على ما علم من طريقه مخالفاً الظاهر الذي عليه العمل في الشريعة إلى ما تقرر فيها من أحكامِ ما ظهر له. ثم إن الشارع أورد قصته مورد الإقرار، فدلَّ ذلك مع عدم وجود المانع وثبوت أدلة الكشف: على اعتباره في شريعتنا، وجواز وقوع مثله.

2/ ثبت في قصّة السيّدة مريم رضي الله تعالى عنها _ وهي ليست بنبيَّة _ وقوع الكشف لها بالملائكة الكرام، واعتماد ما جاءوا به من عند الله تعالى، فدلَّ ذلك مع عدم وجود المانع وثبوت أدلة الكشف: على اعتباره في شريعتنا، وجواز وقوع مثله.

3/ ثبت في ظاهر قول الله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة .. }[فصلت:30-31] أن الله تعالى يُنزل الملائكة على المؤمنين المستقيمين بالبشائر، وذلك من الكشف، فدلَّ على اعتباره؛ إذ لو لم يكن ما يحصل من البشائر معتبراً لكان لغواً وحصوله عبثاً.

4/ ثبت في خبر المُحَدَّثون وقوع الكشف لبعض أفراد الأمم السابقة بالتحديث، وأنه يكون في أمتنا، فدلَّ ذلك على اعتباره؛ وإلا لكان الخبر عنه لغواً وحصوله عبثاً.

5/ ثبت في خبر الفراسة جوازها ووقوعها وهي من الكشف، فدلَّ على اعتباره؛ إذ لو لم يكن ما يحصل من البشائر معتبراً لكان لغواً وحصوله عبثاً.

6/ ثبت في أخبار الرؤى اعتبار الأنبياء عليهم السلام لها، وأن منها صالح حسن يحصل للأمة، وهي من الكشف فدلَّ على اعتباره؛ إذ لو لم يكن ما يظهر فيها معتبراً لكانت الأخبار عنها لغواً وحصولها عبثاً، ويؤكد ذلك خبر: { من تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لم يرَه كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل }[البخاري]، إذ لو لم يكن الأمر على ما ذكرت لكان النهي عن الكذب فيها لغواً وعبثاً أيضاً.

7/ ثبت في أخبار الصحابة والسلف والخلف الصالح رضي الله تعالى عنهم وقوع الكشف بأنواعه وعملهم به؛ فقد عمل الصحابة رضي الله تعالى عنهم بما كوشفوا به في صفة غسل سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا ساداتنا: أبو بكر في نوع الجنين، وعمر وسارية في أمر الجبل: فالأول بنى على المشاهدة والثاني على السماع، وأبو موسى فيما روى ابن أبي الدنيا عنه في الهاتف، وابن عمر في إفتائه بجواز فعل الخضر .. الخ ما في أخبارهم وأخبار السلف والخلف الصالح رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فدلَّ على اعتبارهم للكشف وعملهم به.

فائدة: وعدم وقوع الخلاف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم على العمل بالكشف في الغسل: دليل إجماع على اعتبار الكشف عندهم، وهذا يُضاف إلى الأدلة.

 

 


ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين باللون الأزرق [ -- ]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف؛ لأن ما نكتبه غالباً ما يكون مقتصاً من مكتوبٍ لمن ننقل عنه.