|
شبهات حول الوصية السعدية سئل شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا سيدي سيف الله الصقيل ناصر الحق الإمام الشيخ طارق بن محمد السعدي. وبعد: فقد علق أحد المشتركين في حوار أين الإسلامي على وصيتك الموضوعة هناك من قِبَل خادمكم عثمان، فذكر أموراً لا شك أنك دفعتها في نفس وصيتك، ولكني أحببت عرض تعليقه عليك؛ لترى ما كتب، وترد عليه خاصة إن شئت. قال هداه الله:" 1/ من قال أن مصداق أولي الأمر في إرجاع ما يسمعون مِن أمور الأمن والخوف هم المجتهدون؟!! فإن أولي الأمر في المصطلح القرآني شيء آخر لو تتبع الإنسان القران. 2/ كيف يثبت أن حفظ السنة كحفظ القران الكريم؟!! فإن الله تعالى قال في خصوص كتابه العزيز: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }، ومثل هذا النص لم يرد في السنة، لذا قيل: أنها ظنية الصدور. فيكف ادعيتم هذا الحفظ؟! 3/ ما هو الدليل على حصر المذاهب بالأربعة؟ فلا كتاب الله ولا سنة رسوله يؤيدان ذلك؛ فان كان الأربعة مجتهدين فقد عاصرهم مجتهدون آخرون، فلِمَ يؤخذ بقول هؤلاء دون غيرهم؟ 4/ من أين أثبت إجماع الأمة على الأئمة الأربعة، وقد كان أتْبَاع كلّ واحد يكفرون الآخرين؟! ثم إن الأمة لم تكن اتباع هؤلاء الأربعة فقط فمن أين حصلت على إجماع الأمّة؟ 5/ إذا كان التفرق مذموماً _ وهو مذموم قطعاً _ أفليس في كون الدين الواحد أربعة مذاهب تفرقاً؟ فلِم كان هذا التفرق غير مذموم؟ 6/ هل " بث " النبي صلى الله عليه وآله وسلم أموراً ظنية!! من أين لك هذا؟! اتق الله فيما تنسبه لنبيه الكريم. 7/ إن التَّعبّد بالمذاهب الأربعة لم يوجبه القرآن ولا السنة، فلم تلزم المسلمين بما لم يلزمهم الله تعالى به؟ ثم من قال أن أحكام الله تعالى لا تصاب إلا بهذه المذاهب الأربعة؟ من المقطوع به أنه لا يقول ذلك إلا أتباعها، فحينئذ لا بد من مناقشة الأسس التي استند عليها أئمة المذاهب الأربعة والأخذ بصحيحها ورد سـقيمها؛ فليس واحد منهم معصوم يجب الرجوع إلى قوله. 8/ أن القرن الذي يلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما تفهمه لا دليل عليه، والحديث الذي أوردته لم يثبت سنداً، أو هو باطل الدلالة قطعاً؛ والسيرة العملية لمن تلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تثبت ذلك. 9/ إن كان من فارق المذاهب الأربعة عن علم واجتهاد بعدم تمامية هذه المذاهب وأنها لا تفي لنجاة العبد في يوم القيامة فلم لا يستمع إلى قوله؟ 10/ وظيفة المجتهد الرجوع إلى الدليل الصحيح، فما هو الدليل الصحيح؟ من قال أن العقيدة الأشعرية أو الطحاوية هي أصح العقائد؟"انتهى فأجاب شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ذي الحمد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد خير العَبيد، ثم على المُبَشِّرين به وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته إلى يوم المَزيد. عزيزي ..، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته. وبعد: فاعلم أن الكلام يدل على المتكلِّم، وكلام هذا الكاتب الذي ذكرته إن دلّ فإنما يدل على ضعف نظره وقِلَّة علمه؛ لأن ما صحَّ من أسئلته أجبنا عليه في الوصيّة، وما سوى ذلك افتراء وإفك ادعاه فينا ونسبه إلينا مستفسراً عنه!! ومع ذلك، فلا بأس أن نوضح له ما لم يُبصره في الوصية، عسى أن يكون دافعه طلب الحقّ فينتفع، وإلا _ إن كان دافعه غير ذلك _ فيندفع. فأقول مستعيناً بالله تعالى: أما زعمه بأنا قيدنا ( أولي الأمر ) بالمجتهدين!! فلم نقل ذلك، وإنما قلنا:" فقال عز وجل: { ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم }، جاعلاً المجتهدين ورثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في بيان أحكام الدِّين ومقاصده "، مبينين أنهم أولوا الأمر التشريعي. وأما سؤاله عن حفظ السنة!! فإن السنة من ذِكْر الله تعالى المُنزَل؛ لقول الله تعالى: { وما ينطق عن الهوى } .. الخ ما ورد في هذا الشأن، ما يجعل إطلاق لفظ " الذِّكر " في الآية شاملاً للقرآن والسنة. وقوله " أن السنة ظنية الصدور "، فإن ذلك حق في أخبار الآحاد، التي صحح الله تعالى العمل بها دون عقد القلب على معلوماتها، وبالتالي: حُفظَ متواتر السنة وآحادها بالإسناد وهيمنة القرآن، ولله تعالى الحمد. وأما حصر المذاهب بالأربعة؛ فلأنها أولى المذاهب؛ لما ذكرناه في الوصيَّة، وهو: اتفاق الأمة على إمامة مستنبطيها، وذهاب جمهور المجتهدين الأعظم مذهبهم .. الخ. ودليل ذلك من الشرع: أنّا أمِرنا بتقديم اليقين على الظن، والفاضل على المفضول، وقد ثبت لدينا سلامة المذاهب الأربعة وأفضليتها بما أيدها الله تعالى به من الحفظ والسّبر .. الخ ما بينته في الوصيّة، فكانت مقدمة على غيرها بتوجيه الكتاب والسنة. وإنما أخذنا بقول الأئمة الأربعة ومذاهبهم: لأنها المحفوظة .. الخ، لا لأنا لم نرغب بسواهم؛ وهذا واضح في عدم وجود كتاب ولا أتباع متّصلي السند لغيرهم من الأئمة الذين عاصروهم واتبعت مذاهبهم آنذاك. وهذا أيضاً واضح في الوصيّة. وأما الإجماع على المذاهب الأربعة: فقد نقله غير واحد ممن ذكرنا في الوصيَّة، فبقي على من يريد رد الإجماع عليهم أن يأتينا بالدليل على دعواه. علماً بأنا غير متمسكين بدعوى الإجماع؛ لعدم تواترها. ولذلك اعتمدَتْ دعوتنا للتمسك بها دون سواها: على أولويتها بالاتباع، وهو ما قدمناه بالذكر، ولولا ذلك لصدَّرنا الكلام بالإجماع وما عكفنا على سواه. هذا، ولم يُكفر أهل المذاهب الأربعة بعضهم بعضاً يوماً من الأيام كما زعم هذا الجاهل؛ وإنما رُمِي بالكفر بعض المنتسبين لبعض المذاهب كذباً وزوراً مِنْ قِبَل أصحابهم وغيرهم، كمجسمة الحنابلة مثلاً. وأما مسألة التفرّق! فقد بيناها في الوصيّة بما يُغني عن التكرار، ولكن جهل هذا أو تعصبه منعه من الإبصار، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي الجبار. وأما كون سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم " بث " أموراً ظنيَّة: فلا شك في ذلك؛ إذ معظم عبارات الكتاب والسنة ظنيّة في دلالتها. ونحن إذ نعيب على المدعي اعتراضه المبني على الجهل، فإنا نشكر له أدبه مع سيدنا رسول الله محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وتعظيمه لحضرته الشريفة. وأما مسألة التعبد بالمذاهب الأربعة: فلأنها أولى المذاهب المبينة لأحكام الله تعالى اتباعاً؛ لما تقدم. وما زال المُعاندون في كل زمان يحاولون نقض أسس هذه المذاهب لهدمها، فيُرد الفعل فيهم، ويظهر العيب بهم، ولله تعالى الحمد. وأما مسألة القرون الأولى: فسواء أكان المراد بالقّرن المائة سنة أو الجيل فقد دخل فيها الأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم. والحديث الوارد في ذلك: رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وغيرهم من الحفاظ والمحدثين، فانظر عمق جهل هذا المدعي، وبُعْدَه عن الحق، وتعصّبه، إلى أي مدى أوصلوه!! وأما كلامه فيمن خالف المذاهب الأربعة: فغير واضح، وكذا ما أظنه ذكره عن كفايتها العبد للنجاة يوم القيامة!! غير أنه لا شك في كون المذاهب الأربعة كافية للعبد من الضلال والفساد، موصلة إياه إلى الجنة على سبيل الرّشاد؛ لأنها بيان مقتضى خطاب الشارع للعباد. وأما الدليل الصحيح: فهو الثابت وروداً وحُكماً، فليس ضعيفاً أو موضوعاً على المُسند إليه، ولا منسوخاً أو مخصوصاً أو مقيداً .. الخ هذه التفاصيل المبينة في علم الأصول، وقد أوضحناها في كتابنا ( زاد الفحول من عِلم الأصول )، ولله تعالى الحمد. والذي قال أن ( العقيدة الطحاوية والأشعرية وغيرهما من متون عقائد أهل الحق الموحِّدين على التحقيق ): هو: هيمنتها على غيرها وقهرها له بالبرهان القويم من الكتاب والسنة، والصّراط المستقيم باعتناقها من قِبل أئمَّة الأمَّة. والحمد لله رب العالمين. العبد الفقير المقر بالعجز والتقصير خادم الحق طارق بن محمد السَّعْدِي
|