قال مولانا شمس الزمان الشيخ الإمام طارق بن محمد السعدي حفظه الله:" قد ابتلينا في العقيدة بقومٍ ينعتون أنفسهم بالسَّلفيين لإحكام شبهتهم على التابعين والسَّامعين! وتجدهم عند التحقيق حشويَّة سامريِّين؛ إذ حرَّفوا الكَلِمَ عن مواضعه، ليُثبتوا الحجَّة على ما سَوَّلت لهم أنفسُهم: أن يُخرجوا للأمَّة شيئاً جسداً، يزعمون أنه إلهها وإله الأنبياء والرُّسل والعالمين!! فضلوا وأضلوا بعض من ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم ممن تجنَّدوا لنصرة مذهبهم وضلوا خلفهم. [الفتاوى النورانية:1]

الفرق بين الظاهرية والحشوية

سئل شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة شيخنا الفاضل أبو طه السعدي الحسني _ حفظه الله _، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد: فإني قد قرأت بعضاً من مؤلفاتك النافعة والتي ترد فيها على المجسمة من أهل هذا الزمن، الذين يدعون الانتماء إلى عقيدة السلف الصالح _ وهم منهم براء _.

وهؤلاء المجسمة _ وكما هو معروف في مذهبهم _: يعتمدون على ظواهر ألفاظ النصوص في تعاملهم مع القرآن والسنة، ويُنكرون ما يُعرف في اللغة العربية بـ( المجاز )!!

والسؤال هو:

ما الفرق بين الظاهريّة قديماً، من أمثال داود الظاهري وابن حزم، وبين هؤلاء المجسمة من حيث المنهج؟

وبارك الله بكم.

فأجاب شمس الزمان سيف الله الصقيل الشيخ طارق السعدي حفظه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ذي الحمد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد خير العَبيد، ثم على المُبَشِّرين به وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته إلى يوم المَزيد.

عزيزي .. ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته.

وبعد: فإن مذهب الظاهريَّة: مبني على قصر الدليل على الكتاب والسنة والإجماع، فاتفقوا في الصفات والعقائد مع أهل الحق، واختلفوا في الفقه؛ لأن الأول: مبناه على تلك الأدلة اتفاقاً، وإنما العقل شاهد عدل فيه، والثاني: له أدلة أخرى متفرِّعة منها، كالقياس، وقد اعتمدها أهل الحق، بينما رآها الظاهريّة أدلة خارجة عنها، محكَّمة فيما الحكم فيه لها!! وتنازعوا في الأحكام المبنية عليها.

والحقُّ: ما ذهب إليه أهل الحق من إثبات القياس خاصَّة؛ لتظاهر الأدلة على ذلك، كما هو مبيَّن في كتب الأصول، وفصلته في كتابي ( زاد الفحول من علم الأصول ) ولله تعالى الحمد حمداً طيباً مباركاً فيه.

فليس الخلاف مع الظاهريّة في أصول الدين، ولا في لغة الخطاب، ولا في عدالة العقل، وإنما في الأدلة الشرعيَّة: هل نحو القياس منها، أم خارج عنها؟ ثم فيما استنبط من الأحكام بناءً على ذلك.

فلا هم عطلوا المجاز، ولا أنكروا ثبوته وإرادته بالخطاب.

وأما الحشويَّة: فسواء عليهم أثبتوا الأدلة جميعاً أو بعضها، فإن العُمْدة عندهم: الكذب، وما تسوله لهم أنفسهم فيما ارتضوه مذهباً، سواء في العقائد وغيرها!!

لذلك تجد عندهم من الباطل والتناقض ما يُسقطهم عن مرتبة الخطاب وأهلية المتابعة، ولولا الخشية على العوام وواجب إرشادهم وتنبيههم لما رأيت أحداً من أهل الحق تابعهم، أو التفت إليهم؛ فإن العوام ينخدعون بهؤلاء المبتدعة، سيما أنهم ينتحلون شعارات مُوْهِمَة بالصلاح، بل وشعارات أهل الحق كـ( أهل السنة والجماعة )؛ إيهاماً بأن المدح في أهل السنة لهم!! وقد نبهت على هذا الأمر في غير موضع من كتبي، وبسطته في بعضها، فليراجعه الطالب.

فالخلاف معهم في التزام الأصول وتطبيقها، وإثبات وجوه اللغة ومعانيها وفهمها، والعدالة في الإسناد والنقل.

فالعبرة لا في إثبات أصل، وإنما في التزامه وتطبيقه، ولا في إثبات خطاب، وإنما في إثبات لغته وفهمه، ولا في ادعاء العدالة، وإنما في العمل بها.

وبالنسبة لـ" المجاز ": فإن منهم من يُثبته، ولكن يُعمله ويُعطله بحسب ما تسوّل له نفسه، ثم من هؤلاء من لا يُسمّي إعماله له باسمه، فيكون بين هؤلاء في إثباته معنىً، وبين الآخرين الذين أنكروه مطلقاً، فعطلوه!!

فإن علمت هذا، فقد تبين لك أن لفظ " الظاهر ":

إذا أسند للظاهريّة أريدَ به: ظاهر الأدلة.

وإن أسند للحشوية أريد به: ظاهر الخطاب، بمعنى: حقيقته، أي: المعنى الذي وضع خطاب الناس ابتداءً في اللغة للدلالة عليه، وهو المعنى الجسماني، كالعضو الجارح المتصل بالكتف المُحتاج إليه في أعمال مخصوصة للفظ " اليد ".

فلا يجتمع الظاهرية مع الحشويّة في شيء، بل هم برءاء منهم ومما ينتحلون في عقائدهم، بل ومما يذهبون إليه في فقههم.

ولقد ابتدع الحشوية أموراً في العقائد والفقه والتصوف لا يوافقهم عليها أحد من أهل القبلة، وبعضها ما هو كفر صريح والعياذ بالله تعالى.

هذا، وأسأل الله تعالى أن يغنيك عن جدال هؤلاء المبتدعة؛ لأن مناقشة من هو بهذا الوصف عسيرة، قد لا تنتهي إلى شيء ولو أوتي المرء من العُمر أضعاف ما أوتي سيدنا نوح عليه السلام في جدال قومه.

والحمد لله رب العالمين.

خادم الحق

طارق بن محمد السَّعْدِي